مقال ليحيى الجمل عن قناة السويس الجديدة والأنبا إرميا

علاقتى بنيافة الأنبا إرميا علاقة قديمة ولكن هذه العلاقة التي قد ترجع إلى أكثر من عقد من الزمان ليست هي موضوع حديث اليوم في هذا المقال، وإنما يدور المقال حول الكتاب القيم الذي كتبه الأنبا إرميا عن قناة السويس الجديدة والذى كان موضوعاً لندوة مهمة دعيت لها ولكنى لم أستطع الحضور لأنى كنت في مهمة قومية خارج مصر ووعدت الذين نظموا الندوة بأنى سأكتب مقالاً عن الكتاب بعد عودتى.
والحقيقة أنى أتابع كل ما يكتبه نيافة الأنبا تحت عنوان «مصر الحلوة» منذ وقت طويل.
هذا رجل مملوء بحب مصر. حب مصر بكل مواطنيها وأديانها وصعيدها وشمالها. رجل يعرف أن المواطنة هي الأصل وأن ماعداها قد يكون تجديفاً في تجديف.
وقد تكرم نيافته وأهدانى كتابه القيم بعبارة جميلة «إهداء إلى الأستاذ والمعلم الدكتور يحيى الجمل مع عمق محبتى».. ثم جاء بعد ذلك توقيع نيافته.
والكتاب من إصدارات «المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى».

ويقع هذا الكتاب في أبواب ثلاثة:
الباب الأول– ولعله أهم أبواب الكتاب بالنسبة لى – هو باب تاريخى يتحدث فيه المؤلف عن القناة عبر التاريخ، مبيناً في هذا الباب أن القناة التي يتحدث عنها الآن ليست بنت الأمس القريب ولكنها- أو على الأدق- أصلها يعود إلى حقب بعيدة في تاريخ مصر لعل أولها يرجع إلى قرابة ألفى عام قبل الميلاد حيث شقت قناة سنوسرت الثالث. ومن بعده قناة سيتى الأول ثم قناة نحاو الثانى….. وهكذا…..

وبأسلوبه الشيق كتب الأنبا إرميا في مقدمة كتابه الجميل يقول:
إن قصة قناة السويس تبدأ مع مهد حضارة الفراعنة ثم بدأت تتضح معالمها أيام محمد على ثم يتحقق الحلم بأيد مصرية مع سعيد باشا لتصبح قناة السويس درة غالية من مصر إلى العالم أيام الخديو إسماعيل باشا.
وقد بدأ حفر القناة الحالية عام 1859 تحت إشراف المهندس «فرديناد ديليسبس»، وانتهت أعمال حفر القناة في أغسطس 1869 أي بعد عشر سنوات من بدء الحفر الذي قام به فلاحون مصريون عن طريق السخرة ومات آلاف منهم لا يعرف أحد لهم اسماً ولا مقراً، وافتتحت قناة السويس في عهد الخديو إسماعيل في حفل أسطورى في نوفمبر 1869م وحضر الحفل كثير من أباطرة العالم وملوكه. وكانت الإمبراطورة «أوجينى» في صدارة الذين حضروا الحفل الأسطورى وكتبت إلى زوجها الإمبراطور«نابليون الثالث» أنها لم تر في حياتها أجمل من هذا الحفل.
ومن المسائل المهمة التي يعرض لها الصديق العزيز نيافة الأنبا إرميا اكتشاف رأس الرجاء الصالح في أواخر القرن الخامس عشر الميلادى الذي تأثرت مصر باكتشافه تأثراً كبيراً إذ لم تعد السفن التجارية تمر بها بل تكمل دورتها حول القارة الأفريقية للوصول إلى الهند التي كانت قاعدة الاستعمار البريطانى عندما كانت «بريطانيا العظمى» لا تغيب عن إمبراطوريتها الشمس.
وفى ذلك التاريخ كان الصراع بين الإمبراطوريتين الكبيرتين: الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الفرنسية – وكان اكتشاف رأس الرجاء انتصاراً للإمبراطورية البريطانية على غريمتها الفرنسية. ولكن الفرنسيين لم يذعنوا وبدأ التفكير الجدى في حفر قناة السويس في العصور الحديثة الأمر الذي تحقق في عهد إسماعيل كما سبق أن ذكر الأنبا إرميا في كتابه الجامع الشامل.
وفى نوفمبر 1854م أصدر سعيد باشا الفرمان الأول وهو فرمان عقد امتياز قناة السويس الذي جاء بدوره ليقوم السيد فرديناند ديليسبس بتأسيس شركة تسمى «الشركة العامة لقناة السويس»، وأن يقوم هو بإدارتها. وأن تكون مهمة الشركة الأساسية هي إنشاء مدخلين أحدهما على البحر الأبيض والآخر على البحر الأحمر.
ونص الفرمان على أن تمنح الشركة امتياز إدارة قناة السويس لمدة تسعة وتسعين عاماً تبدأ من تاريخ فتح القناة للملاحة.
وما إن تم افتتاح قناة السويس حتى سعت بريطانيا للاستيلاء عليها وذلك عن طريق شراء حصة مصر من أسهم القناة التي تمثل 44% بثمن بخس قدر بمبلغ تسعة وثلاثين مليون جنيه مصرى. وبذلك حرمت مصر من ملكيتها للقناة التي حفرها أبناؤها ومات منهم مليون ونصف المليون فلاح.
وقد أبرمت «اتفاقية الآستانة» بين القوى العظمى الموجودة آنذاك وفى مقدمتها بريطانيا وفرنسا والمجر وإسبانيا وروسيا وتركيا وغيرها لتتفق على حرية الملاحة في القناة، وذلك بمرور جميع السفن التجارية والحربية في أوقات الحرب والسلم دون تمييز بين الجنسيات، ومضت الاتفاقية على تعهد الدول العظمى الموقعة بعدم المساس بسلامة القناة. وأشارت الاتفاقية إلى عدم استخدام أي حق من حقوق الحرب لتعطيل الملاحة في القناة.
وتمضى السنون إلى أن نصل إلى ثورة 23 يوليو 1952 بزعامة جمال عبدالناصر وتبدأ صفحات من أنصع صفحات التاريخ المصرى الحديث تبدأ حول بناء السد العالى وتأميم قناة السويس وبدء الصراع بين مصر والدول الاستعمارية الكبرى.
وإذا الشعب يوماً أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر، وقد أراد الشعب المصرى الحياة وقامت بعد الثورة الأم (ثورة 23 يوليو 1952) ثورتان وفى الثورة الثانية تأكدت سيادة الشعب بإرادة أكثر من ثلاثين مليون مصرى.
وبدأ المشوار الجديد – بناء قناة السويس الجديدة – هدية مصر إلى العالم كله.
عاشت مصر وعاش شعبها وجيشها العظيم.
و الله المستعان.