الفيروز – عيد الشهداء – أكتوبر 2017

الفيروز – عيد الشهداء – أكتوبر 2017

   يحتفل الأقباط في شهر سبتمبر  بـ”عيد النيروز” وهو رأس السنة القبطية، الذي يرتبط بالسنة المِصرية القديمة، وبالاستشهاد المُريع الذي عاشه المِصريُّون أيام الدولة الرومانية، وبدأ مع الإمبراطورَين “دِقْلِدْيانوس” و”مَكْسِمْيانوس”.

معنى “نَيروز”

   بدايةً، أود أن أوضح أن هناك “عيد النيروز” الذي يحتفل به المِصريُّون، المختلف عن “عيد النيروز” الذي يحتفل به الفرس. وكلمة “نيروز” المِصرية جاءت من الكلمة القبطية “نِي يارُؤو” التي تعني “الأنهار”، لاكتمال موسم فيضان النيل في “مِصر”، ثم تحورت اللفظة إلى “نيروس” في الحِقبة اليونانية التي عاشتها “مِصر”، ومنها صارت “نَيروز” إذ اعتُقد أنها ترتبط بالعيد الفارسيّ. إلا أن بعض المصادر تذكر أن كلمة “نَيروز” هي اختصار لعبارة “نيارو إزمو روؤو” التي تعني “سبِّحوا وبارِكوا” ويُقصد به مبارَكة الأنهار، ليُصبح عيد “النيروز” هو “عيد مبارَكة الأنهار”.

أمّا كلمة “نَيروز” الفارسية، فهي تعني “اليوم الجديد” وهو “عيد الربيع” عند الفُرس، ويُحتفل به في الحادي والعشرين من مارس.

ارتباط التقويمين القبطيّ والمِصريّ

   قدَّمت “مِصر” التقويم إلى العالم، حيث وضع قدماء المِصريِّين تقويمهم الذي يُعد الأكثر دقة عن المُناخ وأمور الزراعة في “مِصر”؛ فيعتمد عليه المزارع المِصريّ منذ آلاف السنين في تحديد مواسم زراعة لمحاصيله خلال العام؛ وهو تقويم شمسيّ يقسِّم السنة إلى ١٣ شهر اعتمادًا على دورة الشمس.

   وحين أرادت الكنيسة المِصرية عمل تقويم لها، لم تتخلَّ عن مِصريتها العريقة وأصولها الممتدة آلاف السنين؛ فاتخذت من أسماء شهور التقويم المِصريّ القديم أسماءً لشُهور السنة القبطية، وهي: تُوت (١١/٩-١٠/١٠)، بابَه (١١/١٠-١٠/١١)، هاتُور (١١/١١-٩/١٢)، كِيَهْك (١٠/١٢-٨/١)، طُوبَه (٩/١-٧/٢)، أَمشِير (٨/٢-٩/٣)، بَرَمْهات (١٠/٣-٨/٤)، بَرَمُوده (٩/٤-٨/٥)، بَشَُنْس (٩/٥-٧/٦)، بَؤونَه (٨/٦-٧/٧)، أَبِيب (٨/٧-٦/٨)، مِسْرَى (٧/٨-٥/٩)، النَّسِيء (٦-١٠/٩) ويُسمى أيضـًا “الشهر الصغير”.

بداية التقويم القبطيّ

   اتخذ الأقباط بداية حكم “دِقْلِدْيانوس” ليُصبح بداية تاريخ للتقويم القبطيّ وأسمَوه “تقويم الشهداء” الذي تستخدمه “الكنيسة القبطية الأُُرثوذكسية” في “مِصر”؛ وذٰلك أن “دِقْلِدْيانوس” قاد أقسى اضطهاد رومانيّ تعرض له مَسيحيُّو “مِصر” إذ كثر فيه سفك دماء الشهداء، ولذا كتب عنه “المقريزي” يقول: “وأسرف جدًّا في قتل «النصارى»، وهو آخر من عبد الأصنام من ملوك الروم”.

   في فبراير عام ٣٠٣م، صدر مرسوم: بهدم الكنائس، وحرق الكتب المقدسة، وطرد جميع المَسيحيِّين، وحرمانهم من الحُقوق المدنية والحريات، مع معاقبة كل من يخالف هٰذه الأوامر بالموت. وقد استمرت نيران الاضطهاد في سائر أنحاء المقاطعات الرومانية عشْر سنوات حتى عام ٣١٣م.

   وبحسَب ما يذكر المؤرخون، فإن الاضطهادات في الشرق كانت أكثر عنفـًا وأشد وطأة منها في الغرب. و”مِصر” بالأخص كان لها تاريخ مميَّز وسجل حافل بهٰذه الأحداث؛ حتى إن الإمبراطور حين كان يرغب في تعذيب أحد بشدة، كان يُرسله إلى وُلاة “مِصر” القساة المشهورين بتفننهم في التعذيب، مثل: “أرمانيوس” والي “الإسكندرية”، و”أريانوس” والي “أَنْصِنا”. وقد قُدر عدد شهداء الأقباط بقُرابة ٨٠٠ ألف!

الشهداء

معنى كلمة “شهيد”

   الكلمة العربية “شهيد” مشتقة من الفعل الثلاثي “شهِد”؛ وفي الأصل اللُّغويّ، كانت دلالة على الشخص الذي لديه معلومات عن حدث شهِده فقدم هٰذه المعلومات وشهد بها؛ وفي هٰذا المعنى يقال “استُشهد” أي طُلبت شهادته فيما عاينه. وفعل “استشهد” يحمل أيضـًا معنًى اشتقاقيـًّا فقهيـًّا هو “سُئل الشهادة” أو “طُلب للشهادة”، والشهادة تعني الشهادة للإيمان الذي يدين به. أمّا المعنى الاصطلاحيّ له، فهو يشير إلى الإنسان الذي يُقتل في سبيل الله. وأيضـًا استشهد في سبيل كذا: أنْ بذل حياته تلبيةً لغاية كذا.

حياة الشهداء

   حين نتعمق في حياة الشهداء، نجد أنها حياة امتلأت بكثير من الفضائل، وجاء الاستشهاد ليكلل هٰذه الحياة المباركة النقية الممتلئة بتلك الفضائل؛ التي منها:

المحبة

   امتلأت حياة الشهداء بالمحبة التي كانت مثل لآلئ تضيء حياتهم، وكان أهمها محبتهم العظيمة لله حتى أنهم ضحوا بحياتهم من أجل تمسكهم بإيمانهم. وقد عبر مثلث الرحمات البابا “شنوده الثالث” عن محبة الشهداء فقال: “كثير من الناس يُعطُون، لٰكنّ الذي يُعطي حياته هو أعظم من هؤلاء جميعـًا؛ فالبعض يُعطي جزءًا من ماله، والآخر يُعطي كل ماله, لٰكن أعظمهم من يُعطي حياته بحب … ليس حب أعظم من هٰذا: أن يبذُِل أحد نفسه عن أحبائه!”. أيضًا قدم الشهداء الآخرين محبة إلى الجميع، وبخاصة أعداؤهم، تفوق التصور متمِّمين قول السيد المسيح: “… أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يُسيئون إليكم ويطردونكم …”، فقد تعلم الشهداء هٰذه المحبة من السيد المسيح الذي قال: “«يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون».”. فصلى الشهداء جميعـًا لأجل أعدئهم، ولأجل من يعذبونهم ويقتلونهم، ولأجل الجميع؛ فصارت حياتهم وموتهم أنشودة تعزف ألحان المحبة تنطلق بين الأرض والسماء.

الشجاعة

  أثبت الشهداء شجاعتهم في ملاقاة الموت، فلم يخافوا اجتيازه، متذكرين كلمات السيد المسيح: “ولٰكن أقول لكم يا أحبائي: لا تخافوا من الذين يقتُلون الجسد، وبعد ذٰلك ليس لهم ما يفعلون أكثر. بل أُريكم ممن تخافون: خافوا من الذي بعدما يقتُل، له سلطان أن يُلقي في جَهنم. نعم، أقول لكم: من هٰذا خافوا!”.

لاحتمال

   قدَّم الشهداء مشاهد رائعةً لاحتمالهم الآلام والأتعاب بدرجة أبهرت حتى أعدائهم؛ فهم لم يتحدثوا عن احتمال الآلام بل كانوا هم أنفسهم نماذج له. وقد تعجب الوُلاة والحكام من تلك القدرة الفائقة على الاحتمال التي امتلكها الجميع: شيوخـًا، ورجالـًا ونساءً، وأطفالـًا.

الصبر

   استمرت اضطهادات الشهداء وآلامهم في بعض الأحيان على مدى سنوات، يحاول فيها الطغاة إضعاف عزيمتهم واستنفاد صبرهم. لٰكنّ الأيام كانت تشددهم وتجذبهم نحو وطنهم السمائيّ الذي يشتهون العودة إليه. بل لقد نفِد صبر الحكام أمام صبر الشهداء؛ فكانوا عندما يتعبون من ثبات أحد الشهداء، يُرسلونه إلى حاكم آخر ليعذبه، وأمّا هم فكانوا يملكون صبرًا فولاذيـًّا لا يَلين ولا ينتهي، وقوة لا تخور.

الوداعة

   إن حياة الوداعة هي جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان المَسيحيّ. وقد قدَّم الشهداء مشاهد عظيمة لتلك الوداعة؛ فلم نجدهم يتمردون أو يُثيرون الشغْب، أو يقاتلون من يقتلونهم، بل كانوا يحملون في قلبهم وداعة فائقة. وتُعد “الكتيبة الطِّيبية” التي استُشهد أفرادها جميعـًا مثالـًا لذٰلك؛ فقد كتبوا رسالة إلى الإمبراطور الرومانيّ يقولون فيها: “أيها القيصر العظيم، إننا جنودك، لٰكن في الوقت نفسه عبيد الله … لسنا ثوارًا، فالأسلحة لدينا، وبها نستطيع أن ندافع عن أنفسنا ونعصاك، لٰكننا نفضل أن نموت أبرياء، على أن نعيش ملوَّثين. ونحن على أتم الاستعداد، أن نتحمل كل ما تصبه علينا من أنواع التعذيب، لأننا مَسيحيون، ونُعلن مَسيحيتنا جهارًا …”.  

السلام

   عاش الشهداء في حياتهم متمتعين بالسلام الذي يهبه الله لهم طوالها، وقابلوا الموت بهٰذا السلام العظيم الذي يحتار فيه العالم! فسلام الله الموهوب منه لا يستطيع أحد أن ينتزِعه منهم. وهنا تبرُق أمام عينيَّ كلمات البابا “كيرلس السادس”: “لا يوجد شيء تحت السماء يقدر أن يكدرني أو يزعجني لأني مُحتَمٍ في ذٰلك الحصن الحصين داخل الملجأ الأمين، مطمئن في أحضان المراحم، حائز على ينبوع من التعزية.”. إنه مشهد لحياة الشهداء، فقد عاشوا ممتلئين سلامـًا، ورحلوا يظللهم السلام الذي لا ينتزعه السيف.