مصر الحلوة 232 – «المحبة والقوة» – 7/1/2017

مصر الحلوة 232 – «المحبة والقوة» – 7/1/2017

   يحتفل اليوم مَسيحيُّو الشرق بـ«عيد ميلاد السيد المسيح»، الذى كتب عنه «إِشَعْياء النبىّ» فى نبوءته أنه: «رئيس السلام»، وقال عن ميلاده: «ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه (عمانوئيل)». وباتت البشرية تحلُم برئيس السلام المولود من العذراء من أجل تغيير عالم امتلأ بالقسوة والصراع والوحشية، ليأتى وتُرسى رسالته قواعد الحياة الإنسانية التى تستند إلى تقديم المحبة، وصنع السلام. قال «نابُليون بونابرت» القائد الذى صار إمبراطورًا يحكم «فرنسا»: «لقد أسس (ألكسندر) و(قيصر) و(شارلمان) وأنا الإمبراطوريات، ولكن: علامَ اعتمدنا؟ على القوة. لقد أسس يسوع المسيح إمبراطوريته على الحب، وفى هذه الساعة، هناك ملايين من الناس مستعدة أن تموت من أجله»، فى حين تحدث أحدهم عن السعادة والسلام اللذين لا يُجلبان بقوة العالم قائلاً: «القوة تؤدى إلى السيطرة والتحكم فى المجتمعات على المستوى العالمىّ، إلا أن القوة مهما اقتدرت وعظُمت لا تؤدى إلى السلام والسعادة الداخلية. إن السلام والسعادة الداخلية لا يتحققان إلا بالعلاقة الشخصية بالله التى قدمها لنا يسوع المسيح.. لا بممارسة القوة واستخدامها فى التحكم والسيطرة على العالم الذى تسوده القوة». وهكذا صارت رسالتا الميلاد إلى البشرية: «المحبة»، و«السلام»، اللذان بهما تتحقق السعادة الحقيقية التى يبحث عنها البشر. وأود اليوم عن أتحدث عن المحبة.

   اعتقد كثيرون أن المحبة هى علامة ضعف فى حياة البشر، إذ لم يُدركوا أن المحبة الحقيقية النابعة من الله الكلىّ المحبة هى القوة التى لا تُغلب فى حياة البشر. لقد قدَّم العالم من خلال فلسفاته وأعماله مفاهيم للقوة تعددت وتنوعت: فهناك من عدها خاضعة لمن له السلطة والسلطان! وهناك من ظنها مرتبطة بما يملِكه الإنسان من مال أو ممتلكات! وآخرون اعتقدوها السيادة والعنف!! وهكذا بات الوضع حتى جاء «السيد المسيح» ليغير تلك المفاهيم العتيقة. جاء السيد المسيح مولودًا فى مزود بسيط، من عذراء يعولها شيخ نجار هو بالكاد يجد ما يسمح له بالحصول على حاجات الحياة، وعلى الرغم من ذلك المظهر المتواضع، فإن السماء لم تصمت أمام هذا الميلاد فأنشدت الملائكة تلك الأنشودة السمائية الخالدة عبر الأزمان: «المجد لله فى الأعالى، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة». أمّا عن حياة السيد المسيح على الأرض، فكانت أنشودة حب لكل نفس عرَفته، فقدم السيد المسيح طوالها أعمالاً وتعاليم تُبرز محبته ورحمته للجميع. وفى إطلالة سريعة، لا نرى سوى اهتمامه بكل نفس إنسانية: بالخطاة، وبالضعفاء، وبالأطفال، وبالمتألمين، وبالمرفوضين، وبالجميع. نرى اهتمام السيد المسيح بالخطاة والمرفوضين كالعشارين عندما قبِل كل إنسان ولم يرُد أحدًا لجأ إليه. وبتلك المحبة تغيرت حياة كثيرين منهم بتوبة عميقة، حتى إننا نجد «لاوى العشار» قد صار «متى التلميذ» الذى تبِعه، فى الوقت الذى تغيرت حياة «زَكّا العشار» من الظلم والقساوة إلى الرحمة فنراه يقدم من أمواله أربعة أضعاف لمن ظلمه فى شىء. وفى اهتمامه ومحبته تصدى «السيد المسيح» لكثير من الانتقادات التى وجَّهها إليه الفَرِّيسيُّون من أجل قَبوله للخطاة والعشارين، حتى إنهم سألوا التلاميذ: «لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطاة؟» فكانت إجابته: «لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى»، مذكرًا إياهم بوصية الله لهم على لسان «هوشع النبىّ»: «إنى أريد رحمة لا ذبيحة»، ثم أعلن أنه لم يأتِ لأجل من يشعر ببِرّه، بل من يحتاجه: «لأنى لم آتِ لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة». وكما اهتمت السماء بإعلان الميلاد ورسالة المحبة للرعاة الساهرين فى حراستهم على بساطتهم هذه، وللحكماء المجوس الغرباء القادمين من بلاد الشرق بحثًا عن ذلك الطفل الملك المولود، فقد اهتم السيد المسيح فى حياته أيضًا بكل نفس ترى أنها ضعيفة وتبحث عنه، فاهتم بـ«ابنة يايْرُس» الذى قَدِم إليه يسأله شفاءها وهى المريضة التى يقترب منها الموت، فترك الجمع واهتم بالذَّهاب معه إليها، وحين قيل للأب: إن ابنتك قد فارقت الحياة، شجعه السيد المسيح واستمر فى المسير معه حيث كانت الصبية ترقد فأقامها ودفعها إلى أبويها. نرى محبة السيد المسيح وتحننه على تلك الأرملة التى فقدت وحيدها فأقامه لها، وشفاءه ابنة المرأة الكَنعانية التى ظلت تصرخ إليه من أجلها فأعطاها سُؤل قلبها لتعود إلى أرضها وتجد ابنتها قد شُفيت. أيضًا امتلأت تعاليم السيد المسيح ووصاياه، كما كانت حياته، بممارسة أعمال المحبة فى مِلء الكمال الذى يبتغيه الله فى الإنسان فقال: «أحِبوا أعداءكم. بارِكوا لاعِنيكم. أحسِنوا إلى مبغضيكم، وصلُّوا لأجل الذين يُسيئون إليكم ويطردونكم، لكى تكونوا أبناء أبيكم الذى فى السموات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويُمطر على الأبرار والظالمين»، ثم يُعلن أن المحبة للجميع هى كمال النفس الإنسانية: «لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم، فأىّ أجر لكم؟! أليس العشارون أيضًا يفعلون ذلك؟ وإن سلَّمتم على إخوتكم فقط، فأىّ فضل تصنعون؟! أليس العشارون أيضًا يفعلون هكذا؟ فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل»، وحين سئل عن الوصية العظمى، أجاب قائلاً: «الرب إلهنا رب واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قُدرتك. هذه هى الوصية الأولى. وثانية مِثلها هى: تحب قريبك كنفسك. ليس وصية أخرى أعظم من هاتين»، وقدم لأحد سائليه- وكان ناموسيًّا يتبع ناموس «موسى» بكل تدقيق- مَثل السامرىّ الصالح حين سأله: من هو قريبى؟ ليجيبه بمَثل: إن رجلاً يهوديًّا كان مسافرًا من أورُشليم إلى أريحا، وفى أثناء سفره هاجمه اللصوص فسرقوه وضربوه وجرّحوه، ثم تركوه فى الطريق بين حيّ وميت، فمر عليه عدد من اليهود ولٰكنهم لم يهتموا بأمره، حتى جاءه رجل سامرىّ ليضمد جراحاته، على الرغم من عداوة شديدة كانت بين اليهود والسامريِّين. لقد كانت رسالة السيد المسيح رسالة محبة، ومنها صارت رسالة كل مَسيحىّ. ومع الاحتفال بعيد الميلاد، تتجدد رسالة المحبة إلى كل إنسان لتصبح أسلوب حياة، وهنا أتذكر تلك الطفلة البرازيلية الصغيرة فى حفل تخرجها فى المدرسة الابتدائية، حيث اعتادت المدرسة إقامة حفل تختار فيه الطالبات الصغيرات شخصًا يحتفل معها بالنجاح، فوقع اختيار الطفلة على أخيها الصغير المقعد ليشاركها سعادتها، تلك هى المحبة التى ترغب نشر السعادة بين البشر من أجل حياة نستمد كل معانيها وسعادتها من محبة الله. و… وفى «مِصر الحلوة» الحديث لا ينتهى…!

الأسقف العام رئيس المركز الثقافىّ القبطىّ الأُرثوذكسىّ