عن الحياة (232) – «جناحا النجاح» – 3/8/2018

عن الحياة (232) – «جناحا النجاح» – 3/8/2018

بدأت فى مقالة سابقة سرد حوار عن الحياة: فالحياة فى معناها ليست أيامـًا، بل آثار تنطبع، لا ساعات تنقضى وتمضى؛ إنها حياة كد وتعب، تحديات لليأس واجتياز للعقبات.
أمّا ما يحملنا على الاستمرار فى الطريق، فهو كَنز الثقة. تساءل في عجب: أية ثقة تلك التي تقصد؟! أجبته: الثقة التى نقرر من خلالها المبادئ التى نسير وَفقها فى رحلة حياتنا! الثقة التي لا تجعلنا نهتز أمام العواصف التى تباغتنا! الثقة التى تمنحنا القدرة على القيام حين نتعثر ونسقط في الطريق! الثقة التي تجعل للحياة معنًى وهدفًا ورسالةً. فأسرعت كلماته: ثقة بمن؟! أو بمَ؟! 
بدايةً يجب أن تكون لنا ثقة بالله، فالحياة من دون ثقتنا به – تبارك اسمه – لا تكون سوى قلق لا يتوقف يولّد سلسلة من خطوات تظهر للإنسان أنها تسارع نحو كل ما يعتقد أنه طريق الأمان، فلا يحصُِد إلا إرهاقًا نفسيًّا وجسديًّا يسقط تحت وطأته في دائرة مفرغة من الألم والمعاناة!! وفيما الإنسان يعتقد أنه يحقق أمنه، يتعثر مع أولى تجارِب الحياة ليكتشف أنه لم يحقق شيئًا على الإطلاق!! قال: أتطلب الثقة بالله دون سعي في الحياة؟! قلت: أطلب أن تسير طريق الحياة في سعي وعمل لا يتوقفان لتحقق آمالك وأهدافك، وأنت تمتلئ ثقة بعمل الله ومساندته إياك. لقد استوقفتني كلمات للزعيم الهنديّ “ألمهاتما غاندي”: “ليس هناك ما يتعب الجسد مثل القلق. المرء الذي لديه أيّ قدر من الإيمان بالله يجب أن يشعر بالخجل إزاء القلق بشأن أيّ شيء على الإطلاق.”.
تساءل: الأمر كما ذكرت يحتاج أولاً وأخيرًا إلى العمل: فمن يثق يعمل، ومن لا يثق هو أيضًا يعمل. أليس كذلك؟!! أجبته: لكن فارق عظيم بين عمل الاثنين. إن من يسعى في طريق الحياة وهو يثق بالله وعمله ومساندته إياه، يعمل وفي أعماقه اطمئنان كبير أن يدًا قوية تقويه وتعضده فلا يضطرب عند إقبال المشكلات أو العقبات؛ فيتمكن من تخطيها بهدوء وحكمة. ولكن تخيل أن إنسانًا يسير طريق الحياة وهو يشعر أنه يحمل همومها ومسؤولياتها وحده، أو وَفقًا لتعبير أحد الأشخاص: “أُلقيَ في طريق الحياة وحيدًا”!! أعتقد أن الهدف الأول الذي سيضعه لنفسه هو أن يُشبع شعوره بالأمن حتى يخطط حياته ويضع أهدافه في جميع الأمور التي يتصور أنها ستحقق الأمن له. إن بعضًا يقضي رحلة حياته في البحث عن المال، وبعضًا آخر يبحث عن السلطة، وبعضًا ثالثًا يحاول تحقيق مكانة ووضعًا اجتماعيًّا مميزين؛ وفي النهاية يكتشف كل فريق أنه لم يحقق الرسالة التي خُلق من أجلها وأن حياته ذهبت أدراج الريح. صمت قليلًا ثم قال: ولماذا عددتهم لم يحققوا شيئَا؟! قلت له: لقد ذكرت أنهم لم يحققوا رسالاتهم في الحياة!! ربما حققوا الثراء أو السلطة أو المكانة، ولكن كل هذه الأمور ليست هدفًا يسعى له الإنسان، بل هي نتاج عمل جادّ نحو هدف حقيقيّ رغب أن يحققه في الحياة. فمن كانت له رسالة في الحياة نال التقدير والمحبة والمكانة، ومنهم من نال المال أو السلطة، و… وللحديث بقية.

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ .