عن الحياة (237) – «حين كًنتً …» – 7/9/2018

عن الحياة (237) – «حين كًنتً …» – 7/9/2018

   نظر إلى مرددًا كلمات سؤالى: كم من أشخاص اعتقدوا أن أمورهم تؤول إلى نجاح أكبر أو سعادة أكثر حين يبتعد عن طرقهم أناس بعينهم ظنوهم أسباب ما يعانونه، ثم اكتشفوا أنهم كانوا مخطئين؟ ثم استكمل قائلًا: أعتقد أنهم كثيرون! وللحق: أنا من هٰؤلاء الكثيرين! فلطالما ظننتُ أن الأمور فى الدراسة أو العمل تؤول إلى أفضل عند اختفاء أشخاص محددين من المشهد: أعنى من الموقف أو المكان. سألته: وماذا وجدت؟! أجابنى: كى أكون صادقًا، عندما كانت أمنيتى تتحقق لم تكُن الأمور تتغير بالقدر الذى كنت أظنه، بل فى بعض الأحيان كانت تزداد سوءًا .

   جذبتنى كلماته لأسأل: كيف ذٰلك؟! أجاب: أتذكر أننى حين كنت طالبًا فى المرحلة الثانوية، كان كل طالب يحاول أن يبذل قصارى جُهده لمتابعة دُروسه وتحقيق التميز، فى منافسة شديدة بيننا، إلا أن زميلاً لنا متميزًا أشد التميز بتحقيقه أفضل الدرجات كان مَحطّ إعجاب الجميع من طلبة ومعلمين، لٰكنه فى الوقت نفسه ملك نفسًا متواضعة، تعضد الجميع فتجده إلى جوارك عندما تحتاج إلى فَهم ما يصعب من مواد دراسية، أو نصيحة فى أسلوب المذاكرة، أو تشجيع، لقد كان رائعًا بكل المقاييس، لٰكننى كنت أعتقد أنه فور غيابه سيكون لى وضع أفضل واهتمام أكبر من المحيطين بى، إذ كنت المتفوق الثانى بعده، وذات يوم تحققت أمنيتى بعدما انتقلت أسرة زميلنا إلى مدينة أخرى، ونُقل هو بدوره من مدرستنا.

   تساءلت: وماذا حدث؟! قال: لم يحدث ما توقعته! غابت المنافسة بيننا؛ فتوهمت أننى سأحقق التفوق دون بذل جُهد؛ وكانت النتيجة أننى أهملت استذكار دُروسى وفارقنى تفوقى لأحقق أسوأ نتائجى!! ولا أخفيك سرًّا أننى افتقدت جدًّا ذٰلك الإنسان!! افتقدت تشجيعه، ومساعدته، ووجوده الذى كان يَحفِز كل من حوله بأسلوب إيجابى، هنا ابتسمت قائلاً: إن الحياة، يا صديقى، رحلة علينا أن نُدرك أنها أفضل وأكثر أمنًا حين نسير طرقاتها معًا، يعضد كل منا الآخر؛ كقارب يسبح : كلما تعلم الجميع التجديف معا، كانت رحلته أكثر يسرًا وهدوءًا وسعادة.

   توقف لحظات، ثم قال: لقد ذكرتَ أن الإنسانية ترتبط ارتباطا وثيقًا بمدى المحبة التى يحملها الإنسان فى أعماقه، فماذا تقصد ؟! وجدتُ أفكارى مع صدى كلماته قد ارتحلت محلقة فى فضاء واسع، متنقلة بين مشاهد ومواقف عشتها أو قرأت عنها، لتتوقف بكل إجلال أمام أُناس امتلكوا قلوبًا ممتلئة بمحبة أشرقت بوهَْجها فى حياة آخرين لتمنحهم السعادة . ثم استجمعت أحرفى وكلماتي، قائلاً: نعم، أعظم هبة قدمها الله للإنسانية: المحبة المستمدة من شخصه القدوس، المحبة التى تتسم بالنقاء والطهر، المحبة التى تشعر بآلام الآخرين وبأحزانهم وتشاركهم سعادتهم، المحبة التى تجد سبيلها فى أعمال الرحمة وإسعاد كل إنسان ولو كانت حياته بضعة أيام! توقفت قليلاً، ثم قلت: .. وللحديث بقية

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأُرثوذكسى.