مصر الحلوة 269 – «حرب ضروس» – 7/11/2018

مصر الحلوة 269 – «حرب ضروس» – 7/11/2018

   

   «الحروب»: كلمة عانت آثارها البشرية فى سنوات وأزمان ودُهور؛ فبها بدّل بعض البشر معنى الحياة التى خلقها الله ـ تبارك اسمه ـ من السعادة والخير والسلام والجمال إلى موت للجسد والنفس، حامل فى طياته معنى الدمار والشر والهلع والقبح. وحينما تكثر الحروب، يزداد معها الدمار وفقدان الإنسانية لكرامتها وينشغل أهل البلاد عنها.

   أمّا أشد «الحروب» التى يرزح العالم تحت وطأتها الآن، فهى تلك الحرب الضروس مع الإرهاب؛ فما أصعب أن يكون العدُو من الداخل! عدُو يحاول تفريق شمل البلاد لتظل قابعةً تحت وطأة التعثر والترنح. لقد مرت الأيام الماضية وهى تحمل معها رياح الكراهية لكل ما هو إنسانيّ، عندما امتدت يد الإرهاب السوداء لتنزِع الحياة من أنفس بريئة كل ما يَعنيها فى الحياة أن تحيا فى بساطة وسلام وترفع قلوبها نحو السماء لتذكر اسم الله!! ففى جريمة من أصعب جرائم الإرهاب، وقع الأيام الماضية مِصريُّون مَسيحيُّون بعد أن غادروا «دير أنبا صموئيل المعترف» ليسقط منهم سبعة أفراد صرعى ويُستشهدوا ـ ستة منهم من عائلة واحدة ـ ويصاب عدد آخر فى حالات حرجة؛ لتئن قلوب كثير من المِصريِّين وتجزع على مصابهم.

   إن «الاستشهاد» فى المسيحية ـ كما ذكرت فى مقالات سابقة ـ هو رغبة يتمناها كل مَسيحيّ لأنه الطريق إلى السماء. كذلك إننا لا نحزن على الشهداء الذين قدموا حياتهم ودماءهم من أجل الثبات على إيمانهم، إذ نؤمن أنهم يتمتعون بمجد عظيم، وبسعادة لا يُدركها العقل، وبسلام عميق لا تعرفه النفس فى هذا العالم. أمّا عن أسر الشهداء وأحبائهم الذين فقدوهم، فنحن نثق أن الله قادر أن يهب سلامه وتعزياته ويشدد كل نفس متألمة، فهو مصدر القوة والسلام والعزاء فى حياتنا. ولكن ما يتردد فى فكر البعض من تساؤلات: إلى أين تصل سفينة بلادنا؟! وهل يمكن لجزء من السفينة أن يرسو على الشاطئ فى أمان، دون الجزء الآخر مهما كبر أو صغر؟! هل يمكن أن يكون لمصر الاستقرار الحقيقيّ الذى يسمح بالبناء والتقدم والتطور، وباستعادة ما لها من أمجاد جعلتها تقود العالم ومهدت له طرق الحضارة والعلم والفن والآداب؟! كيف يتأتى الاستقرار من دون سلام وأمن؟! أيوجد سلام يفتقر إلى العدل؟! وهنا أتذكر تلك المقولة الشهيرة التى قالها رسول كسرى للخليفة «عمر بن الخطاب» عندما جاءه فوجده نائمًا فى الشمس على الأرض فوق الرمال، واضعًا رأسه على عصاه التى كان يستخدمها كوسادة له، فوقف عند رأسه وقال: «رجل يهابه جميع الملوك وتكون هٰذه حاله!! ولٰكنك عدَلتَ فأمِنتَ فنمتَ، يا «عمر».». إننا اليوم لفى أشد الاحتياج إلى أن نحيا جميعًا فى السلام، وأن يتعلم كل إنسان قَبول الآخر المختلف معه.

   أتقدم بالعزاء إلى «مِصر» فى فقدان أبنائها الأقباط الذين امتدت إليهم يد الإرهاب، ونصلى من أجل أسرهم وأحبائهم أن يمنحهم الله كل سلام وتعزية، وأيضًا أن يمنّ بالشفاء العاجل على المصابين. و… والحديث عن «مِصر الحُلوة» لا ينتهى!

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأُرثوذكسى