عن الحياة (244) – «رسائل» – 9/11/2018

عن الحياة (244) – «رسائل» – 9/11/2018

قال: أود اليوم أن أتوقف قليلاً عن حديثنا؛ فقد انزعجت كثيرًا مما وقع الأيام الماضية: أعنى الاعتداء المقيت على مجموعة من المَسيحيِّين بطريق دير أنبا صموئيل المعترف مرةً ثانية؛ ليفقد سبعة أفراد منهم حياتهم ـ وستة من عائلة واحدة. أشعر كأننى أغرق فى سيل من التساؤلات: لماذا يسمح الله بهٰذه الأحداث الجسام؟! وماذا سيجنى منها صانعوها؟! أهم من السذاجة التى تجعلهم يعتقدون أنهم سيقضون على المَسيحية والمَسيحيِّين أو ـ كما يردد البعض لأن دماءنا رخيصة؟!!
صمت قليلاً وأجبته: أنت تعرف أننا نتحدث عن الحياة، وفى طريق الحياة بشر تعلموا أن يمنحوا فى كل خطوة من خطواتهم معنى إيجابيًّا يرتبط بالحياة كالأمل والسعادة والسلام، وعلى النقيض يوجد من يتوقف فى الطريق عينه ليسلب غيره ـ كما يظن ـ الحياة على المستوى الجسدى أو النفسىّ، وفى الحقيقة لا أمر يقع فى هٰذه الحياة دون سماح من الله.
إذًا، لماذا يسمح الله بهٰذه الفواجع؟ بداية: الله هو ضابط كل الكون والبشر والزمن والأحداث، وهو يسمح بالضيقات وبالنوائب وبالآلام، لٰكنه يحول جميع تلك الأمور إلى خير عظيم وبركات لا تُحصى؛ فكما يذكر “الكتاب”: “عظيم هو ربنا وعظيم القوة، لفَهمه لا إحصاء”. إن كان تساؤلك عن المغزى من سماح الله بوقوع فاجعات لأناس أبرياء بسطاء لا يطلبون من الحياة سوى أيام يقضونها فى سلام ومحبة للآخرين، فأنا أعتقد أنها رسائل إلى الجميع:

أولاً: هى رسالة عن أولٰئك الذين اختارهم الله ليصبحوا شهداء؛ فالاستشهاد ليس لكل إنسان بل هو لأناس يختارهم الله من أجل حياتهم النقية الطاهرة ليتمجدوا به فينعموا بالحياة والسلام والراحة الأبدية، لأن مكانة الشهداء ـ كما تعلم ـ كم هى عظيمة عند الله! أما عن أسرهم المكلومة، فالله يقدم إليهم تعزية سمائية ورسالة شديدة الخصوصية: لقد صرتُ وليّكم وأباكم وراعيكم أكثر مما مضى، ولن أترككم حزانى منكسرى القلوب، بل أنا أقويكم وأشددكم قلوبكم فى غمرة آلامكم، وأهب لكم سلامًا لا يعرفه العالم يفوق العقول!

ثانيًا: هى رسالة إلى كل إنسان فاتر متراخٍ متأرجح أن يكون مستعدًّا حيًّا فى صلاة ومسيرة روحية جادة؛ وتحضرنى كلمات أَسَرّ لى بها أحد الأشخاص: “الحقيقة أنا شاعر إنى لازم أصلى بجد! وأكون مستعد: لأنى مش عارف الحادثة الجاية ممكن تكون فين وإزاى، ومين الِّلى هيقابل ربنا لحظتها”. إن مثل هٰذه الأحداث هى بمنزلة دافع قوى للآخرين من أجل الدخول فى حياة روحية أعمق، بفكر الشهداء وقلوبهم المُحبة لله.

ثالثًا: هى رسالة إلى الخطاة وكل البعيدين عن الله من أجل أن يقدموا توبة حقيقية؛ فالحياة هنا على الأرض ليست أبدية، هى مرحلة مؤقتة سنرحل حتمًا عنها جميعنا يومًا ما.

رابعًا: هى أيضًا رسالة إلى من قاموا بإرهاب غيرهم ومن يعضدونهم، ومن يشاهدون الأحداث، بل العالم بأسره، عندما يرَون قوة الشهداء وثباتهم وجسارتهم فى تواضع ومحبة لله فتصبح خير شاهد عليهم: ماذا صنعتم عندما امتدت يد الظلم لتسحق أبرياء وتنزِع منهم حق الحياة؟! إن الله سوف يحاسب كل إنسان على عمله خيرًا كان أم شرًّا. أمّا عن دماء الشهداء، فإن كانت رخيصة فى أعين بعض البشر، لٰكنها غالية جدًّا عند الله: إنها تصرخ إليه من الأرض وهو يسمعها وحتمًا يستجيب.

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأُرثوذكسىّ