العظة الأسبوعية لقداسة البابا تواضروس الثاني بعنوان «نيه نقية»

العظة الأسبوعية لقداسة البابا تواضروس الثاني بعنوان «نيه نقية»

ألقى قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية،  عظته الأسبوعية بالمقر البابوي بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، دون مشاركة شعب الكنيسة، ليكون هذا الأسبوع الثاني الذي يلقي فيه البابا عظته دون مشاركة من أبناء الكنيسة؛

وجائت العظة كالتالي:

أعيد على مسامعك الجزء التي نتأمل فيه كل اجتماع خلال فترة الصوم المقدس في مزمور ٢٤ “للرب الأرض وملؤها. المسكونة، وكل الساكنين فيها لأنه على البحار أسسها، وعلى الأنهار ثبتها من يصعد إلى جبل الرب ؟ ومن يقوم في موضع قدسه الطاهر اليدين، والنقي القلب، الذي لم يحمل نفسه إلى الباطل، ولا حلف كذبا يحمل بركة من عند الرب، وبرا من إله خلاصه هذا هو الجيل الطالبه، الملتمسون وجهك يا يعقوب هليلويا”

كما رتبنا من بداية الصوم الكبير اننا نتأمل في عبارة ” من يصعد إلى جبل الرب”

وأضاف واختارنا الصلاة الختامية في القداس الإلهي صلاة القسمة وهى قسمة خاصة بالصوم المقدس ونكرر فيها الصوم والصلاة هما اللذان يخرجان الشياطين وفي نهاية صلوات القسمة التي يصليها الأب الكاهن يقول”ونحن أيضًا لنصم عن كل شر بطهارة وبر ونتقدم إلى هذه الذبيحة المقدسة ونتناول منها بشكر ويبدأ الأب الكاهن في ذكر المؤهلات الثمانية التي تساعد الإنسان أن يتقدم ويكون على استحقاق لهذه الذبيحة المقدسة نسألك يا سيدنا طهر نفوسنا واجسدنا واروحنا لكي بقلب طاهر وشفتين نقيتين ونفس مستنيرة ووجه غير مخزي وإيمان بلا رياء ونية نقية وصبرًا كامل ورجاء ثابت” والثمانية مصطلحات هم ثمانية خطوات يصعد بها الإنسان إلى أن يصل إلى يوم الجمعة الكبيرة ويوم القيامة في عيد القيامة ويستطيع الإنسان أن يقول “مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في” نحن اليوم في الدرجة السادسة في هذا التأمل “من يصعد إلى جبل الرب”

عبارة اليوم” نية نقية” تكلمنا الأسبوع الماضي عن “إيمان بلا رياء” واليوم نتكلم عن “ونية نقية”

النية هى الدافع الداخلي الموجود في قلب الإنسان وراء كل أفعاله الخارجية، عندما تقوم بإي فعل ماذا تكون نيتك من داخلك؟ تصنع هذا الفعل شكًلًا أو حبًا ما هو الدافع الذي يوجد بداخلك؟هل كل كلمة تقولها لها نية طيبة داخلك؟ نيتك في العمل في الكلام في علاقتك مع الأخرين، وإذا كانت نية الإنسان نقية فتكون أفعاله نقية، ولكن إذا كانت نية الإنسان ايذاء الأخرين تكون النتيجة أن هذا الإنسان نيته شريرة، كيف تتكون النيه داخل الإنسان؟

” ورأى الرب أن شر الإنسان كثر في الأرض وأن كل تصور أفكار قلبه انما هو شرير كل يوم (تك٦: ٥)” بعد أن سقط الإنسان أصبحت كل نياته شر وصارت نية الإنسان غير نقية، عندما تكون نية الإنسان جيده تقوده إلى أفعال وسلوكيات جيدة والنية الشريرة تقوده إلى أفعال شريرة “المتفكر في عمل الشر يدعا مفسدًا (أم٢٤: ٨)” وحتى القوانين الوضعية تفرق بين الجريمة التي تمت بنية والجريمة التي لم تكن مقصودة فالقتل الخطأ عقوبته أقل من القتل عن سبق واصرار ونية شريرة، في التاريخ الكنسي والكتابي نقرأ عن أيوب الصديق وهو كان إنسان مبارك وعاش حياة جيدة وكان يتمتع بحياته لكن كان في خطية واحدة “خطية التمركز حول ذاته” فجائت التجربة وسمح الله بها لكي يستيقظ وعندما جاء أصحابه كانت نياتهم من الداخل غير نقية لم يكونوا يشاركوه مشاعر حقيقية “هوذا قد علمت أفكاركم والنيات التي بها تظلمونني” وقد يظهر الكلام أنه للتعزية ولكن نياتهم تظلمه، والسيد المسيح كان دائمًا محاط بأصحاب النيات الرديئة مثل الكتبة والفريسين حتى عندما كانوا يسألوه”جائوا يسألوه لكي ما يشتكوا أو يصطدوه بكلمة من فمه” نيتهم في السؤال ليست المعرفة ولكن نيتهم اصطياد كلمة، في معجزة شفاء ذو اليد اليابسة “وإذ إنسان يده يابسة فسألوه قائلين هل يحل الأبراء في السبت لكي يشتكوا عليه” كانت نياتهم غير نقية ويريدوا الأيقاع بشخص السيد المسيح ونقرأ في مواضع كثيرة “كانوا يسألوا لكي يجربوه” ولأننا في الأسبوع السادس من الصيام الكبير أسبوع المولود أعمى، والمولود أعمي ولد هكذا لكي تظهر أعمال الله فيه لم يخطئ وإلا ابواه ولكن نلاحظ أن الفريسين يحققوا في الموضوع وفي هذا الزمن كانت المجتمعات صغيرة وهذا الرجل الأعمى كان معروف ووالديه كانوا معروفين لكل الناس، وبرغم إن المعجزة واضحة تمامًا ولكن الفريسين حققوا مع هذا الشخص الذي كان أعمى والأب والأم وهددوهم لأن نيتهم كانت رديئة، تمثل النية الرديئة شكل من أشكال الخطية وعندما نقول “الله فاحص القلوب والكلى” يعني فاحص النوايه ويجازي كل إنسان بحسب نيته والنيه هى غير مرئية للإنسان ولكن كلما يعيش الإنسان مع الله يستطيع أن يميز أصحاب النية الطيبة وأصحاب النية الرديئة، كل ما تعيش مع الله وروح الله يعمل بداخلك ويتكون عندك روح الأفراز والحكمة تستطيع أن تفرز من هم أصحاب النية الرديئة وأصحاب النية الطيبة مثال يهوذا كان تلميذ للمسيح ولكن كانت نيته غير نقية وظهر في أفعاله أنه باع السيد المسيح وسلمه لكي يصلب ويموت كيف نستطيع أن نعرف النيه النقية؟

لكي ما تمتلك نيه نقية ولكي يكون عنك روح الأفراز وتعرف نيات الأخرين أكثر وسيلة تساعدك هى كلمة ربنا، نحن لا نقرأ الإنجيل للمعرفة ولكن قرأت الكلمة المقدسة تساعدك أن تنقي نواياك “كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته (عب ٤: ١٢) “كلما تمتلك روح الكلمة في داخلك كلما تستطيع أن تميز في النية ومن خلال كلمة الله تستطيع أن تفصل بين النية الطيبة والرديئة كيف للإنسان أن ينقي نيته؟

نحن نقف أمام الله ونقول له “يا رب نريد أن نصعد الجبل ونقول بقلب طاهر وشفتين نقيتين ونفس مستنيرة ووجه غير مخزي وإيمان بلا رياء ونية نقية”

كيف نمتلك النية النقية؟

“فإذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد تسلحوا أنتم أيضًا بهذه النية فأن من تألم في الجسد كف عن الخطية(١ بط ٤: ١)” احيانًا الآلامات الجسدية التي تصيب الإنسان بكل شكل والآلم هو احد قضايا الوجود الإنساني، احيانًا الله يرسل الآلم لأجل الإنسان لكي يكف عن الخطية ويتوب وأنك تقبل الآلم والتعب والبذل من أجل المسيح وكما تآلم هو من أجلنا أنت عندما تقدم التعب الجسدي مثل تعب الخدمة وتقدمة بنية نقية هذا يساعد لتكف عن الخطية كل ما تتآلم وتقدم من داخلك يساعدك أن تتخلى عن الخطية، أعطيني يا رب قلب نقي ونية نقية ويكون هذا هو الدافع لكل ما أفعله من سلوكيات ” خلي دايمًا داخلك كما هو خارجك”

وتابع: ونحن نقول دائمًا “المحبة لا تظن السوء” وجود المحبة بينك وبين الأخرين يجعل نيتك نحوهم ليس فيها ظن السوء ونحن في الصوم ونحن في فترة اعطاها الله لكل البشر لكي يكون عندهم نوع من السكون والهدوء الذي يساعد في خلاص الإنسان وينظر إلى داخله، ونتذكر أن إنجيل ليلة الرفاع يقول في السيد المسيح لنا “أدخل إلى مخدعك وأغلق بابك” ونحن نختبر في ظروف انتشار الوباء الموجود حاليًا نختبر هذا الكلام جيدًا “أدخل إلى مخدعك وأغلق بابك” وهذا توجيه تقدمه لنا الكنيسة قبل الصيام أن يختلي الإنسان بنفسه ” قدسوا صومًا ونادوا باعتكاف” كل هذه معاني نقرأها في الكتاب المقدس ونعشها خلال فترة الصوم وتزيد علينا في هذه الأيام التي فيها العالم كله مشغول بهذا الوباء الذي ينتشر بصورة مخيفة وتتأثر به بلاد كثيرة وفي الآف من الوفيات وفيه مئات الألاف من الأصابات والدول تبذل كل الوسائل الممكنة من أجل أن ينحصر الوباء، وأنت جالس في البيت استغل هذا الوقت جيدًا لأنها فرصة نادرة أن تبحث داخلك وتعرف لماذا تخونك نيتك احيانًا ولا تكون نقية في علاقاتك مع كل احد؟

ارجوك استغل هذه الأيام بصورة طيبة وأدخل إلى مخدعك وأدخل إلى قلبك وأغلق بابك وتمتع بفحص ذاتك لتكون حياتك دائمًا نقية، النية النقية هي الدرجة رقم ٦ ونحن نصعد إلى جبل الرب، ربنا يكون معكم ويبارك في حياتكم ويبارك في توبتكم

لإلهنا كل مجد وكرامة من الأن وإلى الأبد آمين.