«الأسرة والتدبير» – محاضرة قداسة البابا تواضروس الثاني – الأربعاء 17 فبراير 2021م

«الأسرة والتدبير» – محاضرة قداسة البابا تواضروس الثاني – الأربعاء 17 فبراير 2021م

ألقى قداسة البابا تواضروس الثاني، عظته باجتماع الأربعاء الأسبوعي، وحملت العظة عنوان “الأسرة والتدبير “.

وتعتبر هذه العظة هي ثالث حلقات السلسلة التي بدأها قداسته الأسبوع قبل الماضي والتي ستستمر طوال شهر فبراير الجاري، والتي خصصها قداسة البابا، لتقديم موضوعات بنائية للأسرة، تفيد أفرادها خلال وجودهم بالمنازل في ظل انتشار عدوى فيروس كورونا.

* “الأسرة والتدبير”… العظة الأسبوعية لقداسة البابا تواضروس الثاني
بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين، تحل علينا نعمته ورحمته من الأن وإلى الأبد آمين.
من سفر الأمثال لسليمان الحكيم…
“اِثْنَتَيْنِ سَأَلْتُ مِنْكَ، فَلاَ تَمْنَعْهُمَا عَنِّي قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ: أَبْعِدْ عَنِّي الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ. لاَ تُعْطِنِي فَقْرًا وَلاَ غِنًى. أَطْعِمْنِي خُبْزَ فَرِيضَتِي، لِئَلاَّ أَشْبَعَ وَأَكْفُرَ وَأَقُولَ: «مَنْ هُوَ الرَّبُّ؟» أَوْ لِئَلاَّ أَفْتَقِرَ وَأَسْرِقَ وَأَتَّخِذَ اسْمَ إِلهِي بَاطِلًا.”(أم ٣٠: ٧-٩)
ونحن في زمن الكورونا وانتشار هذا الوباء ومع الإجراءات الاحترازية وتقليل الخروج ونحن نتكلم عما يمكن أن نصنعه في البيت مع الأسرة وتحدثنا عن “الأسرة والكتاب المقدس” والأسرة والحوار” واليوم سوف نتكلم عن “الأسرة والتدبير” وكما قال القديس بولس ” أَمِ الْوَاعِظُ فَفِي الْوَعْظِ، الْمُعْطِي فَبِسَخَاءٍ، الْمُدَبِّرُ فَبِاجْتِهَادٍ ” وسوف نتكلم عن “المدبر فباجتهاد” كلمة التدبير تساوي في الأمور المدنية كلمة الإدارة وهى موجودة في المصانع والشركات وحسن الإدارة يؤدي إلى نتائج ناجحة، البيت أيضًا يحتاج إلى إدارة، لا أتكلم عن المفهوم الإداري والقوانين والتعليمات ولكن اتكلم عن حياتنا بداخل البيت وكيف ندبر ما هو عندنا وكلمة تدبير تعني الاستخدام الأمثل لكل ما في البيت الإمكانيات والقدرات الطاقات والمواهب ويجب أن يكون البيت في تدبيره مجتهد وأريد أن أضع أمامك بعض النقاط للمعرفة.
١- تربية الشبع: يجب أن نربي أولادنا على تربية الشبع ليس المقصود الشبع المادي أو شبع من الطعام ولكن بصفة عامة الشبع أن تكون عينيه مليانه، شبعان نفسيًا وروحيًا وجسديا واجتماعيا، وتربية الشبع نسميها روح القناعة ولا يكون شخص متذمر أو فيه روح الطمع، والشبع غير مرتبط بفقر أو غنى ” اَلنَّفْسُ الشَّبْعَانَةُ تَدُوسُ الْعَسَلَ ” كما يعلمنا سفر الأمثال، وأقصد هنا الشبع ضد عوامل الاستهلاك، من سمات المجتمعات الاستهلاك في كل شيء حتى استهلاك موارد الطبيعة، كذلك قد يكون هناك استهلاك في البيت ليس له قيمة ويمكن الاستغناء عنها، تربية الشبع وتقليل الاستهلاك، وهناك أشياء نستهلكها تضر بالصحة، فيجب أن نربي أولادنا على روح الشبع روح القناعة وتقليل الاستهلاك، من فضلك ربي البيت في تدبيره الحسن على روح الشبع والقناعة.
٢- تربية البركة: دائمًا ربي في البيت روح البركة وكما قال الكتاب ” بَرَكَةُ الرَّبِّ هِيَ تُغْنِي، وَلاَ يَزِيدُ مَعَهَا تَعَبًا ” وكما في معجزة اشباع الجموع كانت كمية الطعام المتوفرة قليلة ولكن عندما باركتها يد الله تباركت وأكل كل الموجودين وفاض منهم، هذه هي تربية البركة أن الله يبارك، ومن التقاليد القبطية أننا نصلي قبل الأكل ونقول “يأرب بارك هذا الطعام” “يأرب نعمة أحفظها من الزوال” لأن هناك ملايين في العالم لا يجدوا الطعام، وأنت تعيش في بركة الطعام وبركة الماء، ربي ابنك أن يشعر بموجود البركة داخل البيت، والبركة شكل من أشكال الأمان والإيمان، وعلم أولادك أن لا يكون لديهم العين التي تشعر ببركة ربنا ولا يكون هناك تبزير أو تفريط ولكن هناك بركة الله يضعها في الشيء.
٣- تربية الوقت: أن يشعر الإنسان بقيمة الوقت “أحرسنا يارب من تسويف العمر باطلًا” وتربية الوقت مرتبطة بصفة الصبر ويقول لنا في سفر الجامعة ” صَنَعَ الْكُلَّ حَسَنًا فِي وَقْتِهِ ” الله يجعل كل شيء حسنًا في وقته وهذا معنى تربية الصبر ” بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ “، ونحن في زمن عجيب كل شيء بسرعة برغم أن الله خلق الحياة على مفهوم الصبر “الله خلق الريف والإنسان صنع المدينة” الريف زراعي والزراعة تعلم الصبر، وسكن المصريين بجانب النهر وعملوا بالزراعة فعلمتهم روح الصبر ولذلك المصري يتميز بين شعوب العالم بروح الجلد والصبر، ونحن في البيت استغل الوقت في القراءات والهوايات وفي الدراسة وروح العبادة واللقاءات الأسرية اللطيفة كل هذا نسميه تربية الوقت.
الخلاصة… أن هؤلاء الثلاث أبعاد (الشبع – البركة – الوقت) هم فكر التربية داخل الأسرة وأن يعرف كل فرد في البيت كيف يشبع وأن يكون متلامس مع البركة ويقدر قيمة الوقت ولديه روح القناعة وروح الإيمان وروح الصبر وكما يقول الكتاب “الْخَيْطُ الْمَثْلُوثُ لاَ يَنْقَطِعُ” وهؤلاء هم الخيط المثلوث في التربية (قناعة – بركة – صبر) وعندما ينشئ عليهم ابنائنا يكون بيت ناجح ويقدر أن يقف أمام موضوع الاستهلاك الشديد.
+هناك جانب أخر في التدبير… “التدبير باجتهاد”:
١- الطعام: الله يعطينا طعام متنوع، من الأشياء الهامة كيف ننظم المائدة وأن نستخدم ما نحتاجه فقط وأن يكون شكل المائدة مبهج ومنظم، ونبدأ بالصلاة والله يبارك الطعام ” لُقْمَةٌ يَابِسَةٌ وَمَعَهَا سَلاَمَةٌ، خَيْرٌ مِنْ بَيْتٍ مَلآنٍ ذَبَائِحَ مَعَ خِصَامٍ” وأن تكون كمية الطعام تناسب الفرد ولا نلقي منها شيء لأن ما يلقى في النفايات طعام يحتاجه أخرين ويجب أن نشعر باحتياج الأخر، التدبير الحسن للطعام ومهم أن ندبر داخل البيت الطعام المناسب ولا أقصد الغالية أو المصنعة، هناك عادات خاطئة للطعام مثل عدم غسل الأسنان بعد الطعام أو عدم غسل اليدين قبل الأكل والاكثار من الطعام الغير صحي، تدبير الطعام مسئولية البيت والاعتماد على المواد الطبيعية.
٢- تدبير الإنفاق: ربنا يبارك في المال الموجود في بيوتنا ولكن مهم تدبير الانفاق ويجب أن تربي في ابنك مبدأ وصية العشور من مصروفه، أن ينفق مصروفه في أشياء مفيدة مثل شراء كتاب ويجب أن يستفيد من مصروفه ويتعلم الادخار، علم نفسك وبيتك هذه العادات حتى لو اعطانا الله وفرة في المال، يجب أن أتعلم قيمة المال الذي معي ويكون لدي روح الرضا والشكر، شيء مهم أن نعرف كيف ندير التدبير المالي وهذا سوف ينعكس على البيت كله وكل هذا يأتي بالتربية والتعليم.
٣- استخدام الموارد: مثل استهلاك الكهرباء والنور وكيف أرشد استخدام النور والماء، والاستخدام الحسن للأثاث وأن يكون هناك صيانة وأنا لا أتحدث عن بيت غني أو فقير، علم ابنك ان بيته أحسن بيت علم اولادك هذه الأساسيات، السيد المسيح في معجزة إشباع الجموع طلب منهم ان يجمعوا الكسر وذلك ليحافظوا على المكان ونظافته فيجب أن نحافظ على البيئة وهذه مسئولية علينا كلنا وعلينا مسئولية في التربية ويجب أن نتعلم التدبير في الطعام والمال وكيف يكون البيت لدينا كما تقول الآية “أما المدبر فباجتهاد “وأن يكون البيت ناجح في الإدارة وأنا أعلم أن نعمة ربنا تبارك البيت والأسرة.
“اِثْنَتَيْنِ سَأَلْتُ مِنْكَ، فَلاَ تَمْنَعْهُمَا عَنِّي قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ: أَبْعِدْ عَنِّي الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ. لاَ تُعْطِنِي فَقْرًا وَلاَ غِنًى. أَطْعِمْنِي خُبْزَ فَرِيضَتِي، لِئَلاَّ أَشْبَعَ وَأَكْفُرَ وَأَقُولَ: «مَنْ هُوَ الرَّبُّ؟» أَوْ لِئَلاَّ أَفْتَقِرَ وَأَسْرِقَ وَأَتَّخِذَ اسْمَ إِلهِي بَاطِلًا.”
- “أَبْعِدْ عَنِّي الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ” الباطل هو الفساد والخطية، والكذب هي خطية قد يستسهلها البعض.
- “لاَ تُعْطِنِي فَقْرًا وَلاَ غِنًى” كل من الفقر والغنى له خطاياه ولكن يقال “إن صلاح الأغنياء في العطاء وصلاح الفقراء في الرضا والشكر”، الفقر والغنى قد يكونوا وسيلة لاكتشاف الإنسان.
- “أَطْعِمْنِي خُبْزَ فَرِيضَتِي” أعطيني يأرب طعام قدر احتياجي وهذا ما نراه في طيور السماء وهي لا تفكر ماذا ستأكل والله يقوتها كما علمنا الله على الموعظة على الجبل “لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ”.
- “أَطْعِمْنِي خُبْزَ فَرِيضَتِي، لِئَلاَّ أَشْبَعَ وَأَكْفُرَ وَأَقُولَ: «مَنْ هُوَ الرَّبُّ؟» أَوْ لِئَلاَّ أَفْتَقِرَ وَأَسْرِقَ وَأَتَّخِذَ اسْمَ إِلهِي بَاطِلًا.” والشبع هنا ليس مقصود به الشبع الإيجابي الذي تكلمنا عنه ولكن هنا يشعر أنه صاحب النعمة التي في يده مثل الغني الغبي وقد يغتني وينكر إلهه أو يفتقر فيسرق ويتخذ اسم إلهه باطلًا، انتبه ودبر حياتك ونحن في البيت ندبر فيه كل شيء ونحافظ عليه ونكون مدبرين باجتهاد في بيوتنا.
هذه هي المحاضرة الثالثة ونحن في زمن الكورونا ونجلس في البيت ويكون لدينا الفرصة أن ندير حياتنا الأسرية بصورة جيدة، لإلهنا كل مجد وكرامة من الأن وإلى الأبد آمين.