مصر الحلوة 412 «جَمِيعُ ٱلْأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي» 18/8/2021

مصر الحلوة 412 «جَمِيعُ ٱلْأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي» 18/8/2021

يحتفل المِصريون بـ”عيد السيدة العذراء” في “الثاني والعشرين من أُغسطس” من كل سنة.  وحين نتحدث عن “السيدة العذراء”، نتذكر تسبحتها الشهيرة: “تُعَظِّمُ نَفْسِي ٱلرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِٱللهِ مُخَلِّصِي، لِأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى ٱتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ ٱلْآنَ جَمِيعُ ٱلْأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي، لِأَنَّ ٱلْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَٱسْمُهُ قُدُّوسٌ …”؛  ولذا فمحبة “السيدة العذراء” وتبجيلها وإكرامها رُسمت وانطبعت في قلوب المِصريين جميعًا مسلمين ومسيحيين على مر الأجيال.

وقد سبق الاحتفال بـ”عيد السيدة العذراء” صومٌ مسمى باسمها، استمر خمسة عشر يومًا، له قصة ترتبط بنياحتها التي يُحتفل بها في الحادي والعشرين من طوبة (الثلاثين من يناير) إذ عند نياحتها، لم يحضر مراسم دفنها التلميذ “توما الرسول”، بسبب تغيبه في رحلة تبشيرية بـ”الهند”، وفيما هو عائد منها شاهد منظرًا عجيبًا: ملائكة حاملين جسد “السيدة العذراء” إلى السماء! فسارع بعد رجوعه وسأل التلاميذ عن “السيدة العذراء”، فأخبروه بنياحتها، فطلب أن يُروه قبرها، فلما ذهبوا به إليه وجدوا تابوتها فارغا! فقص عليهم ما رآه. فما كان من الرسل إلا أن قدموا صومًا لله، بدأ في “الأول من مسرى” (السابع من أغسطس)، من أجل أن يسمح الله لهم بالتبرك برؤية جسد “السيدة العذراء” مرة أخرى، وظلوا صائمين إلى أن حقق الله لهم رغبتهم في “السادس عشَر من مسرى” (الثاني والعشرين من أغسطس)، ولذا بات اليوم الذي أُعلن فيه إصعاد جسد “السيدة العذراء” إلى السماء عيدًا من أعيادها.

وحين نتأمل شخصية “السيدة العذراء”، يتجلى من بين سماتها الفائقة إيمان عظيم حملته في قلبها، رفعها إلى مكانة عظيمة لم تحظَ بها ولن تنالها امرأة أخرى على مر الأزمان. فقد بُشرت “السيدة العذراء” بأمر إلٰهيّ فائق الطبيعة: أنها ستحبل وتلد دون أن تعرف رجلاً، بمعجزة خاصة من عند الله، حين قال لها الملاك المبشر: “لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لِأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ ٱللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ٱبْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هٰذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَٱبْنَ ٱلْعَلِيِّ يُدْعَى”؛ فسألته “السيدة العذراء”: “كَيْفَ يَكُونُ هٰذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟»”. فأجابها الملاك: “اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ ٱلْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذٰلِكَ أَيْضًا ٱلْقُدُّوسُ ٱلْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ٱبْنَ ٱللهِ.”. ففي خضوع تام لمشيئة الله، آمنت “السيدة العذراء” ببشارة الملاك، معبِّرة: “هُوَذَا أَنَا أَمَةُ ٱلرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ.”؛ وقد أعلنت نسيبتها “أليصابات”، أم “يوحنا المَعمَدان”، هٰذا الإيمان حين خاطبتها: “طُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ ٱلرَّبِّ!”.

وفي “القرآن”، سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وسورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ﴾، وتذكر سورة مريم ظهور الملاك لها فيما كانت منفردة تصلي وتعبد الله: ﴿فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾؛ فاضطربت عندما رأته، فطمأنها أنه مرسَل من الله من أجل تبشيرها بولادتها للسيد المسيح: ﴿قَالَتْ إِنِّى أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾، فآمنت بما بما قيل لها من قبل الله.

ولم يكن ذٰلك الإيمان مجرد لحظة خضوع وتسليم من “السيدة العذراء” وقت البشارة فحسب، بل ظل يملأ حياتها، حافظة جميع الأمور ومتفكرة بها في قلبها، واثقة بعناية الله ورحمته ومحبته لجميع البشر. ولا عجب أن تصير للسيدة العذراء المكانة حتى إنها تتشفع لدى السيد المسيح وقت “عرس قانا الجليل” قبل أن يحين عمل معجزاته.

كل عام وجميعكم بخير. ونصلي إلى الله أن يرفع عن العالم كل مرض وألم ووباء، ويحفظ بلادنا الحبيبة “مِصر” في أمن وسلام، بشفاعات “السيدة العذراء”، التي باركت وطننا الغالي بتَجوالها في رُبوعه مع عائلتها المقدسة، في زيارة لم يحظى بها أيّ بلد آخر! و… والحديث في “مصر الحلوة” لا ينتهي!

الأُسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسيّ