استكملنا في المقالةِ السَّابِقَةِ الحديثَ عن عَلاقةِ السلطان الناصر محمد العدائية بمملكة أرمينيا، والتي اتسمت بالحروبِ والصراعاتِ بين الجانبين. وقد أدَّت الاضطرابات الداخلية لمملكة الأرمن إلى تدهور أحوالها، وآلَ حُكمُ البلاد إلى الملك أوشين، الذي قام باسترضاء المماليك والوفاء بالتزاماتِه نحوهم.
كما كانت العلاقات بين المماليك ومغول فارس عدائيةً غيرَ مستقرةٍ، قام فيها المغول بشَنِّ هجمات على مصر وبلاد الشام، وتوجَّه الجيشُ المملوكيّ لمواجهة الجيش المغوليّ؛ حيث دارت حربٌ ضاريةٌ بين الجانبين عند مجمع المروج شرقي حمص، انتهت بانتصار المغول وفرار السلطان إلى بعلبك، ومنها إلى دمشق. أما المغول فقد عسكروا بالقرب من مدينة حِمْص، فحضرَ حاكمُ المدينة وسلَّمها إليهم، فانتشرت القواتُ المغولية في تلك الأنحاء، وقامت بعمليات تدمير ونهب وقتل للقرى المجاورة لحمص. وأرجع محمد سهيل في كتابه «تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام» العوامل التي أدت إلى هزيمة المماليك تلك الهزيمة الفاحشة إلى تفوّق المغول في العَدد والتجهيزات، وضَعْفِ الروح المعنوية لقوات المماليك بسبب المؤامرة التي دبّرها بعضُ الأمراء للتخلُّص من السلطان الناصر محمد، إلى جانب سوء تدبير إعداد الحملة، وإحجام بعض الأمراء عن الاشتراك بها، مما أضعف من عَدد الجيش وقدرته.. أيضًا حالة الإنهاك التي تعرَّضَ الجيش لها نتيجة سرعة التنقل لمُلاقاةِ المغول، وفشل الخُطة العسكرية في أرض المعركة.
واصل المغول زحفَهم نحو دمشق، وتمكّنوا من دخول المدينة، كما وصلوا إلى الغوطة في عام 699هـ (1300م)، وخطبَ للسلطان المغولي، محمود غازان، على المنابر.
وعلى الرغم من كِتَاب الأمان الذي أرسله المغولُ إلى أهل دمشق، لم يحافظ المغول على وعودهم، فامتلأت البلاد من فسادهم. ويذكر ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» ما آلت إليه أحوال أهل دمشق من غلاء الأسعار وقلة القوت، حتى عَجزَ أهلُها عن دَفْع ما فُرِضَ عليهم من ضرائب.
وصل المغول إلى بيت المقدس والخليل والكرك وغزة. غار السلطان المغولي على دمشق بعد أن قام بتعيين نائبٍ عليها، وتركَ حاميةً عسكريةً قوامُها ستون ألف جندي، ووعد بالعودة إلى دمشق للإعداد للزحف على مصر ومهاجمتها، إلا أن النائب السلطاني غدرَ بالمغول، وأعلن طاعته للمماليك، فعادت بلاد الشام مرة أخرى تحت حكم المماليك.
وفي عام 700هـ (1300م)، تَوجَّه السلطانُ المغولي إلى بلاد الشام مرةً أخرى لاستعادة السيطرة عليها؛ فقام السلطان الناصر محمد بتجهيز حملة عسكرية بعد أن قام بتقوية الجيش ودعمه بالتجهيزات التي يحتاجها لخوض المعارك. لم يتمكن السلطان المغولي من التقدم نحو بلاد الشام، بسبب هطول الأمطار وبرودة الطقس، فاضطر للعودة إلى بلاده. حاول سلطان المغول التحالف مع عدد من الدول الأوروبية ضد المماليك، وعندما لم يتمكن، أرسل إلى السلطان الناصر محمد طلبًا لعَقْد هُدنة بين الجانبين، ولكن المحاولة باءت بالفشل.
قرر السلطان المغولي، محمود غازان، الزحف نحو بلاد الشام مرة أخرى في سنة 702هـ (1303م)؛ حيث التقى الجيشان، ودارت رَحَى الحرب بين الطرفين لتنتهي بهزيمة المغول، واستعادة جيش المماليك لروحهم المعنوية التي كانت قد تأثرت كثيرًا بعد خسارتهم في «مجمع المروج».
استمر الزحفُ المغولي نحو الشام، وانتاب بلاد الشام قلقًا عميقًا واضطرابات حتى وصول السلطان الناصر محمد. والتقى الجيشان في معركة ضارية في موقعة «شَقحَب»، انتصر فيها المماليك نصرًا كبيرًا، وعاد السلطان إلى دمشق؛ حيث اكتست المدينة بالأفراح، ثم تحرك إلى القاهرة. أما سلطان المغول، فقد تعرَّضَ لخسارة فادحة، كما كثُرَت المؤامراتُ لخلعه عن العرش فتأثر تأثُّرًا شديدًا ومات حزنًا، وخَلَفَه على العرش أخوه الذي حرص على توثيق علاقات السلام مع المماليك والدخول في صلح بينهما. وقد أكرمَ السلطانُ الناصر محمد، رسولَ السلطان المغولي، وأعاده مُكرّمًا إلى بلاده برفقة سَفِيرين.
وفي عام 708هـ (1309م)، تنازل السلطان الناصر محمد عن العرش، واعتلى العرش من بعده السلطان بيبرس الجاشنكير.
و.. والحديث عن «مِصر الحُلوة» لا ينتهي!
الأُسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ


