تَحدَّثنا في المقالةِ السَّابِقَةِ عن السلطان الناصر محمد الذي قدَّمَ عرضًا بالتنازل عن السُّلطة، ولكن تمت تسوية الأمر بين السلطان والأمراء، حتى أظهرَ السلطان رغبتَه في إقامة مناسك الحج، وغادر السلطان البلادَ ووصل إلى الكرك، واختار الإقامة بها وخلعَ نفسه عن السلطنة. اجتمع الأمراء لدراسة الأوضاع الجَدّيّة التي انتهت بتولي بيبرس الجاشنكير السلطنة، ثم تحدثنا عن علاقة المماليك بالفرنج؛ حيث قام المماليك بالاستيلاء على جزيرة أرواد، والقضاءِ على معاقل الفرنج بها. كما ظل العداءُ يُخيّم على علاقات المماليك وأرمينيا؛ فقد قام تحالف مغولي أرمني كرجي بمهاجمة بلاد الشام، وتمكّن الملك الأرمني من التَّقدُّم نحو دمشق، طالبًا تدمير المدينة، ردًّا على هجوم المماليك على عاصمتهم، إلا أنه لم يتمكّن إلا من دخول بلدة الصالحية التي قام بِنَهبِها وحرقِها مع قتل وسبي وأسر أهل المدينة، لكنه لم يتمكن من التقدُّم كثيرًا واضطر إلى الانسحاب.
لم يقبل السلطان الناصر محمد ما فعله الملك الأرمني ببلدة الصالحية، فأرسل حملةً كبيرةً لمهاجمةِ الأرمن في عام 700هـ (1301م) بعد إعلانِ مَلِكها التمرُّد على المماليك والخروج عن طاعتهم، وقد تمكنت الحملة من الوصول إلى العاصمة الأرمينية ونهب ما بها ثم العودة إلى دمشق. لم يتوقف السلطان الناصر محمد عند ذلك، بل أرسل حملةً ثانيةً من دمشق إلى الأرمن بعد انتصاره على المغول في موقعة «شَقحَب»، وذلك ردًّا على انضمام ملك الأرمن لمعاونة المغول في هجومهم على بلاد الشام. وتمكنت الحملة للمرة الثانية من دخول العاصمة سيس، فنهَبَت وحرَقت مزارعها وأَسَرَت شعبها، ولم تغادر الحملة بلاد الأرمن حتى دفع ملك الأرمن كلَّ ما تأخر عليه من جِزيَة.
وتجددت الأحداث مرةً ثانيةً في عام 705هـ (1305م)؛ عندما توقف ملك الأرمن عن دَفْع الجزية، فأرسل النائب السلطانيّ بحلب جيشًا تَوجَّهَ إلى العاصمة سيس، فقام بإحراق عدد من القرى أثناء توجُّهِه إلى العاصمة، إلا أن جيش المماليك لم يتمكن من الانتصار على الأرمن بسبب التحالف بين الأرمن والمغول والفرنج لصَد هجمات المماليك على أرمينيا. تمكّنَ التحالف الأرمني المغولي الفرنجي من التصدي لحملة المماليك والهجوم على أراضيهم حتى تمكّنوا من الوصول إلى غزة وأَسْرِ عددٍ كبيرٍ من جنود المماليك. قرر السلطان الناصر مواجهة قوى التحالف، فأرسل جيشًا كبيرًا متوجِّهًا إلى غزة، وعن تلك الأحداث يذكر محمد سهيل في كتابه «تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام»: «خرج هذا الجيش إلى غزة، فخشي هيثوم (ملك الأرمن) عاقبةَ الأمر، وأرسل إلى قراسنقر، نائب حلب، الجِزيَة المتأخرة عليه، وناشده أن يشفع له عند الناصر محمد، فأجابه الناصر إلى ما طلبَ، وأمر بعودة الجيش إلى القاهرة.»
تَعرّضت المملكة الأرمينية إلى اضطرابات داخلية، بسبب التنازع على الحكم، ودمار عدد من بلادها بسبب الحروب المتوالية ضد المغول، فتدهورت أحوالها؛ مما اضطر ملِكَها هيثوم من التنازل عن العرش لابن أخيه عام 705هـ (1305م) الذي قُتل بيد المغول في عام 707هـ (1307م)، وآلت البلادُ إلى الملك أوشين، الذي قام باسترضاء المماليك، والوفاء بالتزاماته نحوهم.
لم تكن علاقات المماليك مع مغول فارس إلا علاقات عدائية؛ انتهز فيها المغول حالة الصراعات الداخلية للمماليك لشن هجمات على بلاد الشام ومصر، وصلَت إلى حلب، فأرسل السلطان الناصر لأمرائه بالخروج إلى بلاد الشام للتصدي لهم، وخرج هو على رأس جيش كبير، وعندما وصل إلى غزة أدرك السلطان حياكة مؤامرة بين المغول وبعض الأمراء الناقمين، هدفُها التَّخلُّصُ منه، لكنه أحبط المؤامرة، وتوجَّه الجيشُ المملوكيّ لمواجهة الجيش المغوليّ بالقرب من حلب في معركةٍ انتهت بانتصار المغول وفرار السلطان. استكمل المغول زحفهم نحو دمشق حتى دخلوا المدينة في عام 699هـ (1300م).
..و.. والحديث عن «مِصر الحُلوة» لا ينتهي!
الأُسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ



