مقدمة
في الحقيقة، إن القديس البابا أثناسيوس الرسولي كان متكاملًا في سيرته وتعاليمه وروحياته. وعلى الرغم من إنشغاله بالرد على الهرطقة الأريوسية، إلى جانب ما حِيك له من مؤامرات الأريوسيين، فإنه ظل محتفظًا بهدوئه وسلامه؛ وأخذ يكتب تفاسير وردودًا لاهوتية ودفاعية. وفي شبابه المبكر وضع كتاب “تجسد الكلمة” الذي بات أحد أهم الكتب المسيحية، وذلك قبل أن يصبح بابا الإسكندرية بقليل، مما يُظهر نبوغه المبكر جدًّا، ويعكس مدى أمانته وعمل روح اللَّه فيه ونعمته الملحتف بها.
لقد عاش القديس البابا أثناسيوس بذهن متقد وروح متسامحة وقلب محب وضمير صاحٍ، خاضعًا لروح اللَّه، ناظرًا إلى رئيس الإيمان ومكمله الرب يسوع المسيح؛ فلم يخشَ في الحق لومة لائم، ولم يعبأ ببطش الإمبراطور الذي اتخذ موقف الهراطقة، واضعًا نصب عينيه أن يعلن حقيقة الإيمان، ويظهر دقة المفاهيم الإيمانية السليمة. صار رمزًا للإيمان القويم وحاميه في الكنيسة الجامعة حتى إن من أراد أن يمدح الإيمان القويم مدح القديس أثناسيوس. لقد فارق المسكونة بجسده منذ ما يزيد على ١٦ قرنًا، لكن جهاده وتعاليمه وعظاته باقية خالدة مثل اسمه (أثناسيوس معناه “الخالد”)؛ هذه التي ننهل منها إلى يومنا هذا.
إنه ليسعدني، أعزائي القراء، أن أقدم إليكم هذا الكتاب عن حياة أبينا حامي الإيمان القديس البابا أثناسيوس الرسولي، وكذلك إعادة رفاته المقدسة في ذكراه، وكيف أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أعلنت غبطتها بعودته إلى أحضانها. وعبرت عن ذلك باحتفالات غير مسبوقة في مايو 1973م, وأشكر الدياكون زكريا عبد السيد على بحثه هذا، وأتمنى أن يكون سبب بركة ونفع للجميع.
نسأل اللَّه من كل قلوبنا أن يحفظ سلام بِلادنا ويحفظها من كل سوء وشر، ببركة شفاعات وطلبات أمنا القديسة العذراء مريم والقديس البابا أثناسيوس الرسولي, وصلوات أبينا صاحب القداسة البابا المعظم أنبا تواضروس الثاني حفظه اللَّه.
الأنبا إرميا
الأسقف العام رئيس المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي
15 مايو 2025 م ــ 7 بشنس 1741 ش
تذكار نياحة القديس البابا أثناسيوس الرسولي



