تحت رعاية قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وشريكه في الخدمة الرسولية نيافة الحبر الجليل الأنبا إرميا، الأسقف العام ورئيس المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، نظم المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي صالونه الثقافي الشهري تحت عنوان «لسنا وحدنا: عالم الفيروسات الخفي»، بمشاركة الأستاذ الدكتور أحمد رمضان صوفي، أستاذ علم الفيروسات وعميد كلية العلوم بجامعة الأزهر، وأدار الصالون الكاتب هاني لبيب، رئيس تحرير موقع «مبتدا».
افتتح الصالون أنبا إرميا، الأسقف العام ورئيس المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، بكلمة شدد فيها على محورية الوعي العلمي في التصدي للأزمات الصحية. وأوضح نيافته الطبيعة الحيوية للفيروسات ككائنات دقيقة تعتمد في تكاثرها على العائل، مشيراً إلى أنها تضع القوة البشرية في اختبار حقيقي يكشف عن ضعفها. و أثنى على الباحثين في علم الفيروسات واصفاً إياهم بـ “قادة هذا العالم الخفي”، مؤكداً أن هدف الندوة هو دحض الشائعات وتصحيح المفاهيم المغلوطة عبر نشر المعرفة الرصينة لبناء وعي مجتمعي يتجاوز حاجز الخوف.
وقال الدكتور أحمد صوفي إن عالم الفيروسات «عالم خفي ومعقّد، يثير الكثير من المخاوف، لكنه في الوقت ذاته جزء من منظومة الحياة على كوكب الأرض»، موضحًا أن هناك مفاهيم مغلوطة شائعة حول الفيروسات، يتم تداولها دون سند علمي دقيق.
وأشار إلى أن الفيروسات ليست كائنات حية بالمعنى التقليدي، إذ إنها لا تتكاثر ذاتيًا، وإنما «تتضاعف» فقط داخل الخلايا الحية، مؤكدًا أن الفيروس ليس خلية، بل كيان بيولوجي يعتمد على الكائن المضيف في استمراره، واصفاً الفيروس بأنه كان بمثابة “اللهو الخفي” الذي أربك البشرية قديماً قبل أن يتمكن العلم من فك شفراته الغامضة
وأوضح أن تاريخ معرفة الإنسان بالفيروسات يعود إلى عصور قديمة، لافتًا إلى وجود إشارات لآثار أمراض فيروسية على بعض الآثار الفرعونية، إلا أن الاكتشاف العلمي الحقيقي للفيروسات لم يتحقق إلا بعد اختراع الميكروسكوب في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو ما فتح الباب لفهم أمراض عديدة مثل الالتهاب الكبدي الفيروسي والإيدز وغيرها.
وأضاف أن الفيروسات تُصنَّف وفقًا للكائن الذي تصيبه، كما تختلف في طرق انتقالها، موضحًا أن فيروس الإنفلونزا – على سبيل المثال – ينقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية: A وB وC، ويُعد النوع A الأخطر والأكثر قدرة على الانتشار والتحور.
وأكد أن الفيروسات لا تُعالج بشكل مباشر، وإنما يتم علاج الأعراض الناتجة عن الإصابة بها، مشيرًا إلى أن جهاز المناعة يمتلك قدرات هائلة لمقاومة الفيروسات، حيث يحتوي جسم الإنسان على مليارات الخلايا المناعية التي تعمل باستمرار على التصدي لها، وهو ما يفسر شفاء أغلب الحالات خلال أيام.
وأشار إلى أن بعض الممارسات الخاطئة، خاصة في التعامل مع الحيوانات البرية، تُعد من أهم أسباب انتقال الفيروسات إلى البشر، لافتًا إلى أن عطسة واحدة قد تنقل أعدادًا هائلة من الفيروسات، وأن العدوى قد تنتقل أيضًا عن طريق اللمس أو الهواء أو العوامل البيئية.
وأوضح أن فترات حضانة الفيروسات تختلف بحسب النوع، فبعض الفيروسات التنفسية تتراوح فترة حضانتها من يوم إلى 14 يومًا، بينما قد تصل في بعض الفيروسات المعوية إلى 45 يومًا، مشددًا على أن الإنسان لا يشعر بوجود الفيروس إلا بعد ظهور الأعراض المرضية.
وأكد الدكتور صوفي أن الإعلام أحيانًا يبالغ في توصيف بعض الفيروسات دون سند علمي دقيق، مشيرًا إلى أن كثيرًا مما يُتداول يثير الذعر دون مبرر، كما حدث في بعض المراحل مع الحديث عن فيروسات معينة.
وشدد على أن الفيروسات ليست شرًا مطلقًا، بل هي جزء من النظام البيئي، داعيًا إلى التعامل معها بوعي علمي، وليس بمنطق الخوف، مؤكدًا أن جائحة كورونا أثبتت قدرة الدولة والمجتمع على إدارة الأزمات الصحية بوعي عندما تتوافر المعرفة والانضباط.
كما حذر من خطورة الأوبئة المعلوماتية، موضحًا أن الشائعات التي تثار حول الفيروسات وتطوراتها تفوق في خطورتها وتأثيرها المدمر المرض نفسه، لما تسببه من حالةذعر تعيق المواجهة العلمية السليمة، وشدد على ضرورةالعودة إلى العلم كمنهج وحيد لفهم الأزمات الصحية. وأشاد الدكتور صوفي بدور الصالونات الثقافية والإعلام المتخصص في نشرالوعي الصحيح، مشيرًا إلى أن دور هذه المنصات هوتبسيط الحقائق العلمية وتفنيد الأكاذيب التي تنتشر فيأوقات الأزمات.
وأكد في نهاية حديثه على أهمية تعزيز الثقة في العلم والعلماء، ونشر الوعي الصحي، والتعامل الإيجابي مع الطبيعة، قائلًا: «نحن لا نواجه الفيروسات بالخوف، بل بالمعرفة، وبالإيمان، وبالسلوك الإنساني الواعي».
واختتم نيافة الأنبا إرميا الصالون قائلا: أن ما طُرح خلال الندوة يمثل خطوة مهمة في مواجهة الشائعات وتصحيح المفاهيم الخاطئة، مشددًا على أهمية نشر العلم والمعرفة لمواجهة الخوف وبناء وعي مجتمعي حقيقي.