تحت رعاية قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وشريكه في الخدمة الرسولية نيافة الحبر الجليل الأنبا إرميا، الأسقف العام ورئيس المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، استضاف المركز يوم 26/7/2026 ، في صالونه الثقافي الشهري، قضية شائكة ومحورية بعنوان: “المسيحية الصهيونية.. ظلال وأوهام”، والتي تأتي امتدادًا لموقف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الوطني الثابت وإصداراتها المتعددة في هذا الشأن. وشارك في الندوة الدكتور دياكون بيشوي بولس، أستاذ العهد القديم بالكلية الإكليريكية وأستاذ الدراسات اليهودية بأكاديمية أرسطو، وأدار اللقاء الكاتب هاني لبيب، رئيس تحرير “مبتدا”.
وشهد الصالون استعراضًا شاملًا لسبعة محاور رئيسية، تناولت: مصر في التاريخ الديني لبني إسرائيل، وأرض الموعد بين الوعد الإلهي وشروطه، والشعوب التي سكنت الأرض قبل دخول بني إسرائيل، وقراءة نقدية لمقولة «من النيل إلى الفرات»، فضلًا عن أسباب اختيار الله لبني إسرائيل في مرحلة معينة من التاريخ، ونشأة ومبادئ ما يُسمى بالمسيحية الصهيونية وموقف الكنيسة منها، وصولًا إلى مكانة سيناء في وجدان أقباط مصر بين قداسة الأرض ورفض التوسع الصهيوني.
واستهل الكاتب هاني لبيب اللقاء بالإشارة إلى أن موضوع الندوة شديد الحساسية، محذرًا من خطورة دمج الدين لتحقيق أهداف أيديولوجية وسياسية محددة.
وأكد أن المصطلحات المتداولة، مثل: “المسيحية الصهيونية”، أو “الصهيونية المسيحية”، أو “المسيحية ذات التوجه الصهيوني”، تضع الجميع أمام واقع يتطلب التكاتف لمواجهته، مشددًا على أن هذا الفكر ليس امتدادًا لتاريخ المسيحية، ولا يُعد مذهبًا تقليديًا.
وحذر “لبيب” من القراءة الخاطئة للواقع، قائلًا: “نحن أمام أطراف تفكر وتدرك ما تفعل، بينما أزمتنا تكمن في قلة القراءة، وإن قرأنا لا نُحلل، وإن حللنا يكون التحليل خاطئًا”.
وطالب بضرورة المواجهة الفكرية الواعية لهذه الموجهات الأيديولوجية، مع أخذ الحيطة، وتحري الدقة، وعدم تعميم الاتهامات على الطوائف المسيحية في مصر، مؤكدًا أنه لا توجد أي طائفة مسيحية مصرية تتبع هذا الفكر، وأن جميع الطوائف أصدرت بيانات رسمية ترفضه وتتبرأ منه.
من جانبه، فكّك الدكتور دياكون بيشوي بولس الأفكار الأساسية للتيار الصهيوني المسيحي، موضحًا أن هذا التوجه يرتكز على مفاهيم مغلوطة حول “أرض الميعاد” و”شعب الله المختار”، ويعتمد على اقتطاع نصوص التوراة وتفسيرها حرفيًا وفق أهواء وسياسات معينة، لتقديم دعم لدولة إسرائيل لا يقف عند حدود السياسة، بل يُلبسها رداءً دينيًا متشددًا.
وتطرق “بولس” إلى مكانة مصر في التاريخ الديني، قائلًا إن مصر في العهد القديم كانت أرض الملجأ عند الجوع، لكنها لم تكن يومًا ضمن قائمة أراضي الموعد.
وتطرق إلى تفنيد الآية القائلة: “من نهر النيل إلى الفرات”، موضحًا، بالتحليل العلمي والتاريخي، أن كلمة “نيل” لم تُذكر في التوراة بهذا المعنى، وأن المقصود كان مجرى مائيًا صغيرًا بعيدًا تمامًا عن حدود مصر وسيناء، معلقًا بأنه لا يعقل، جغرافيًا أو لغويًا، التعبير بالابتداء من النيل (الكبير) إلى الفرات (الأصغر).
وسرد أستاذ العهد القديم تاريخ اليهود، ثم تاريخ الحركة الصهيونية، مبيّنًا كيف تحولت من فكرة إلى حركة قومية وسياسية في أوروبا، ثم إلى مشروع دولي انتهى بقيام دولة إسرائيل عام 1948.
وأكد أن الكنيسة الأرثوذكسية تؤمن بتمام تحقق جميع نبوات العهد القديم في شخص السيد المسيح، وبالتالي لا يوجد، في المفهوم المسيحي حاليًا، ما يُسمى “أرض الموعد” أو “شعب الله المختار”.
واختتم الدكتور بيشوي بولس حديثه باستعراض أسباب رفض المسيحية الصهيونية، مشيرًا إلى أن أبرزها هو الخلط المضلل بين إسرائيل المذكورة في الكتاب المقدس ودولة إسرائيل السياسية الحديثة، وتحويل النبوءات إلى مبرر للاحتلال والاستيطان وانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني.
وأكد، في ختام كلمته، على الموقف الوطني القبطي، مشددًا على أن سيناء أرض مصرية مقدسة في وجدان الأقباط والمصريين جميعًا، ضحوا من أجل تحريرها، وتستمر الكنيسة في رفضها القاطع لأي توسع صهيوني أو مساس بحدود الوطن.