مقدمة
إن كان في تاريخ الكنيسة العديد من المجامع المسكونية والمحلية؛ إلا أن “مجمع نيقية” سنة 325م يُعتَبَر أحد أهم هذه المجامع، فهو المجمع الأشهر الذي اكتسب أهميته من الدور الذي لعبه للحفاظ على ألوهية السيد المسيح، الإله الكلمة ابن اللَّـه المتجسد وتثبيت عقيدة الـ “هوموؤسيوس “ὁμοούσιος أي أن المسيح الكلمة الإله المتجسد له نفس الجوهر الذي للآب.
لقد حفظ “مجمع نيقية” هذه العقيدة ضد أريوس وأتباعه، الذين أنكروا أن للمسيح ابن اللَّـه الحي الجوهر الذي للآب السماوي، مكتفين بالاعتراف أن المسيح هو إله ثانوي أو إله مخلوق؛ خلقه الآب السماوي، فهؤلاء غير الأتقياء استنكروا على الابن المتجسد أن يكون له نفس جوهر أبيه، وخدعهم الشيطان بفكرة أن اللَّـه واحد ووحدانيته غير جامعة، مصرين أن اللَّـه ليست له كلمته الخاص من نفس طبيعة جوهره؛ بل قام بخلقه لاحقًا، أي أن كلمة اللَّـه لم يكن موجودًا قبل أن يخلقه الآب السماوي. وما يؤمنون به من جهة الكلمة المسيح ابن اللَّه، كذلك الأمر بالنسبة لإيمانهم من جهة الروح القدس؛ لكن الرب الإله لم يترك كنيسته لأولئك الهراطقة، بل أرسل خدامًا صالحين عمل بروحه فيهم ليحفظوا كرامة الابن الكلمة المخلص، ويحفظوا جوهره الإلهي الذي هو نفسه جوهر الآب.
لقد شهدت فترة ما قبل “مجمع نيقية” مباشرة أحداثًا وصراعات من جهة أريوس ومعاونيه ضد الكنيسة، وهو الأمر الذي جعل الإمبراطور قسطنطين يخشى أن يحدث تمزق لمملكته في الشرق، حينما سمع بتصدي البابا ألكسندروس الإسكندري (البابا الـ 19) لهرطقات أريوس وانتشار الخصومات والنزاعات، لذلك أرسل هوسيوس أسقف قرطبة للإسكندرية.. هذا الأسقف الوقور الذي حينما سمع تجاديف أريوس؛ رجع وأبلغ الإمبراطور بالأمر.
وكان تدبير اللَّـه أن يتم عقد “مجمع نيقية” لوقف التجاديف التي يطرحها أريوس وأعوانه، وهذا ما حدث حينما سمع الآباء الغيورون تجاديف وهرطقات وجنون أريوس. فقام الشماس أثناسيوس الإسكندري – البطريرك الـ 20 لاحقًا – بكشف خداع أريوس وتجاديفه؛ مما جعل آباء المجمع يقفون على حقيقة الأمور ويتمسكون بعقيدة الـ “هوموؤسيوس”. وانتهى المجمع بحرم أريوس وأفكاره ثم نفيه وتثبيت الفكر الأرثوذكسي في ألوهية السيد المسيح، الذي له نفس جوهر الآب السماوي.
بانتهاء “مجمع نيقية” عرفت الكنيسة شرقًا وغربًا على مدار التاريخ سموم هذه الهرطقة، والتي يعيدها الشيطان بأشكال كثيرة في عقائد مختلفة في العالم، إلا أن الكنيسة بإرشاد الروح القدس تعلِّم إيمان “مجمع نيقية”.
أقدم لك عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة هذا الكتاب، وهو عبارة عن أبحاث ومحاضرات مؤتمر “مجمع نيقية.. كتابيًّا – تاريخيًّا – سياسيًّا – قانونيًّا”، والذي عُقد في المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي في الفترة من 10 – 12 أكتوبر 2024م، بالتعاون مع مركز البابا شنوده للتاريخ الكنسي التابع لكنائس وسط القاهرة.
الرب يجعل هذا العمل سبب بركة ونعمة ومعرفة، ببركة شفاعة وطلبات أمنا القديسة العذراء مريم، وأبينا صاحب الغبطة والقداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني, وشريكه في الخدمة الرسولية صاحب النيافة الحبر الجليل الأنبا رافائيل الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة.
الأنبا إرميـا
الأسقف العام
رئيس المركز الثقافـي القبطي الأرثوذكسي