أيام قليلة تفصلنا عن الاحتفال بعيد “إعلان إصعاد جسد السيدة العذراء إلى السماء”، الذي نحتفل به يوم الجمعة 16 مسرى (22 أغسطس)؛ ونصلي إلى الله أن يبارك مصر وشعبها بالبركات والخير والسلام ببركة صلوات وشفاعات “السيدة العذراء”، التي باركت أرضها عندما هربت إليها مع طفلها “السيد المسيح” والقديس البار “يوسف النجار”.
ويأتي “عيد السيدة العذراء” بعد صوم امتد لخمسة عشر يومًا قدَّمه الآباء تلاميذ “السيد المسيح” رسله الأطهار، فقد تنيَّحت “السيدة العذراء” في 21 طوبة الموافق (30 يناير)؛ إذ عند نياحتها، لم يحضر مراسم دفنها التلميذ “توما الرسول”، بسبب تغيبه في رحلة تبشيرية بـ”الهند”، وفيما هو عائد من رحلته إلى أورشيلم شاهد منظرًا عجيبًا: ملائكة حاملين جسد “السيدة العذراء” إلى السماء! وقال له أحد الملائكة: “اسرع وتبارك من جسد “السيدة العذراء”. وعندما التقى “توما الرسول” ببقية الرسل، سألهم عن “السيدة العذراء”، فأعلموه بأمر نياحتها (وفاتها). فطلب “توما الرسول” أن يرى مكان قبرها، وعندما ذهبوا إليه ولم يجدوا جسد “السيدة العذراء” المبارك قص عليهم ما رآه، فاشتهى الرسل أن يروا ذلك المنظر المقدس؛ فبدأوا صومًا في 1 مسرى (7 أغسطس) صاموا مصلين إلى الله أن ينالوا تلك البركة، وفي 16 مسرى (22 أغسطس) أظهر الله لهم جسد “السيدة العذراء” وتباركوا منه. ومنذ ذلك الحين صار اليوم الذي أُعلِن فيه إصعاد جسد “السيدة العذراء” إلى السماء أحد الأعياد التي يُحتَفل بها.
وقد تحدَّثت في المقالة السابقة عن “السيدة العذراء” التي اعتلت مكانة عظيمة في قلوب المصريين جميعًا؛ إذ أنها المرأة الوحيدة في التاريخ الإنساني التي شهدت لها السماء. وذكرنا أن حياة “السيدة العذراء” تمتلئ بالفضائل ومنها فضيلة الرجاء الذي يأتي من الإيمان بالله وبرحمته ومحبته وحكمته. واليوم نتحدث عن حياة “السيدة العذراء” التي امتلأت بالمحبة التي فاقت كل تصور لله.
منذ أن عاشت “السيدة العذراء” في الهيكل وهي في الثالثة من عمرها تخدم الله، صارت حياتها أنشودة حب لله؛ لا تنشغل إلا بالصلاة لله ومناجاته؛ وهنا أتذكر كلمات “البابا شنوده الثالث” عن “السيدة العذراء”: “وفي الهيكل، تعلمت حياة الوحدة والصمت، وأن تنشغل بالصلاة والتأمل. وإذ فقدت محبة والديها وحنانهما، انشغلت بمحبة الله وحده”؛ وهكذا عاشت الوصية العظمى لله: فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: “إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى”(مر12: 29، 30). وفي تلك المحبة استحقت أن تنال نعمة لدى الله: فنجد رئيس الملائكة “جبرائيل” يبادرها بالتحية: “سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ”(لو1: 28). كما نرى محبتها لله حين بُشِّرت من السماء: “وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ”(لو1: 31، 32). أجابت الملاك المبشر: “هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ”(لو1: 38). وعاشت حياتها ترعى وترافق “السيد المسيح” في خدمته.
وفاضت محبتها لله في قلبها حتى إنها أحبت الآخرين؛ فهي من خدمت قريبتها العجوز “أليصابات” وهي حبلى في الشهر السادس حتى ولدت ابنها “يوحنا المعمدان”؛ وهي من تشفَّعت لدى ابنها “السيد المسيح” من أجل أهل عرس قانا الجليل. وفي عظم محبتها لله وللعالم، احتملت السيف الذي جاز في قلبها وتنبَّأ عنه “سمعان الشيخ” “وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ”(لو2: 35)؛ حين رأت آلام ابنها وهو مهان ومُعلَّق على الصليب دون ذنب أو جرم اقترفه؛ فقد كانت تلك هي إرادة الله: “الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ”(1تي2: 4)، فقالت: “أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص، وأما أحشائي فتلتهب عند نظري إلى صلبوتك الذي أنت صابر عليه من أجل الكل يا ابني وإلهي”.
كل عام وجميعكم بخير.. والحديث في “مصر الحلوة” لا ينتهي!
الأسقف العام
رئيس المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي