عرضت المقالة السابقة شرارة الحرب التي اندلعت في مدينة السلام سنة ١٩٤٨م بين الجيوش العربية والصهيونية؛ وجاء التقدم للجيوش العربية إذ تمكن الجيش المِصريّ من الاستيلاء على ثلاث مستعمرات يهودية، واقترب من «تل أبيب»، في الوقت الذي حرر الجيش العراقيّ مدينة “جنين”، وكوَّن الجيش الأردنيّجبهة قوية ألحقت بالقوات الإسرائيلية خسائر كبيرة، واستولت القوات اللُّبنانية على قريتي “المالكية” و”قَدَس”. أيضًا عرضَت لمعركة “باب الواد” التي أصابت الصهيونيين بخسائر بالغة. وفي ٢٩/٥/١٩٤٨م، تدخل “مجلس الأمن” وقرر فرض إيقاف إطلاق النار، لٰكن “إسرائيل” لم تلتزم بقراره، فجمعت السلاح وتطوع عدد كبير من يهود أوروبا للقتال، ثم خرقت القوات الصهيونية الهدنة وحاصرت القوات المصرية في “الفالوجا” في تحدٍّ واضح للقرار؛ فيذكر موقع القدس: “ومع التفوق العربيّ الملحوظ، جاء قرار «مجلس الأمن» في التاسع والعشرين من مايو ليفرض الهدنة الأولى على طرفي القتال، مما أتاح للإسرائيليين تعزيز قواتهم وعتادهم عن طريق الدول والتنظيمات الأجنبية، فحصلوا على طائرات حربية وأسلحة مدفعية وسيارات مصفحة ثقيلة، واحتلوا ـ رغم الهدنة ـ أراضي جديدة كانت في يد العرب أثناء الهدنة”.
وفي ٩/٧/١٩٤٨م، استؤنف القتال بين الجانبين، لٰكن الوضع الصهيونيّ كان قد قوي، إذ تمكن اليهود من فتح طريق “القدس”، والسيطرة على الساحل والجليل الأعلى و”اللُّد” و”الرملة” وجزء كبير من وسط “فلسطين”. وفي ٧/٧/١٩٤٨م، أصدر “مجلس الأمن” قرارًا يوجَّه نداءً عاجلاً إلى الأطراف المعنية في “فلسطين” بقبول مد الهدنة إلى الأجل الذي يُتفق بشأنه بالتشاور مع الوسيط. وفي ١٥/٧/١٩٤٨م، أصدر “مجلس الأمن” قرارًا يأمر الأطراف بالامتناع عن تنفيذ أعمال عسكرية أخرى، والإيعاز إلى الوسيط بمواصلة جهوده من أجل نزع السلاح عن “القدس”، اعتبر فيها أن الوضع في “فلسطين” يمثل تهديدًا على السلام، ضمن معنى المادة ٣٩ من ميثاق الأمم المتحدة. كذٰلك أمر الحكومات والسلطات المعنية بالكفّ عن مزيد من العمل العسكري، بإصدار أوامرها إلى قواتها العسكرية وشبه العسكرية بإيقاف إطلاق النار، عملاً بالمادة ٤٠ من ميثاق الأمم المتحدة، على ألا يتأخر بأي حال من الأحوال عن مدة ثلاثة أيام من تاريخ اتخاذ القرار، وأن عدم إذعان أيّ من الحكومات أو السلطات هو خرق للسلام مما يستوجب أن ينظر مجلس الأمن فيه فورًا بقصد اتخاذ إجراء جديد قد يقرره. وأيضًا نص القرار على إيقاف فوريّ غير مشروط لإطلاق النار في مدينة “القدس”، بحيث يصبح نافذ المفعول بعد أربع وعشرين ساعة من وقت اتخاذ القرار، مع اتخاذ أيّ خطوات ضرورية لإيقاف إطلاق النار. وأصدر المجلس تعليماته إلى الوسيط بمواصلة الجهود من أجل نزع السلاح عن مدينة “القدس”، دون إجحاف بمستقبل وضعها السياسيّ، وليؤمّن حماية الأماكن المقدسة والأبنية والمواقع الدينية في “فلسطين” والوصول إليها. وهٰكذا جاءت الهدنة الثانية من الأمم المتحدة من ١٨/٧ حتى١٥/١٠ سنة ١٩٤٨م.
إلا أن الجيش الصهيونيّ لم يمتثل للقرار، واستمر في المعارك، في عمليات هدم للقرى الفلسطينية وطرد لسكانها؛ فمن ٢٤/٧ حتى ٢٦/٧ جاءت عملية “شوتير” التي هاجمت فيها القوات الصهيونية قرى “عين غزال” و”جَبَع” و”إجزِم” جنوب “حيفا”واحتلتها. وفي الأيام من ٢٤/٨ حتى ٢٨/٨، قام الصهاينة بعملية “نِكايون” (التطهير) ليحتلوا المنطقة الساحلية غرب “يِبْنا” وشمال “إسدود”. ومع نهاية أغسطس حتى منتصف أكتوبر، طرد الجيش الإسرائيليّ البدو وسكان القرى في “النَّقَب”؛ فيذكر موقع القدس: “وجاءت الهدنة الثانية في الثامن عشر من يوليو، لكن القوات الصهيونية استمرت في القتال، ودخلت «بئر السبع» و«بيت جِبْرِين» وغيرهما، ودفعوا القوات المِصرية إلى الانسحاب من «الَّنقَب»، وتوغلوا في أجزاء من «سيناء»، واستمروا في التوغل في «فلسطين» جنوبا حتى استولَوا على ميناء «أم الرَّشراش» المِصريّ على ساحل «خليج العقبة»، وأزالوا الميناء، وأقاموا مكانه منفذهم الوحيد على البحر الأحمر «إيلات»”. وهٰكذا فإن عمليتي”يوآف” و”هاهار” اللتين قامت بهما القوات الصهيونية في الجنوب أنهيتا الهدنة الثانية، ليجيء قرار مجلس الأمن رقم ٦١ في٤/١١/١٩٤٨م بالدعوة إلى سحب القوات وإقامة خطوط هدنة دائمة، و… وما يزال حديث “القدس” يأخذنا، والحديث في “مصر الحلوة” لا ينتهي!
الأسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأُرثوذكسي



