تَحدَّثنا في المقالةِ السَّابِقَةِ عن حالةِ الإضراباتِ والصِّرَاعاتِ التي سادَت البلاد من أجل الوصول إلى السلطنة لفترة امتدت منذ مقتل السلطان لاجين، ثم استدعاء «الناصر محمد» من الكرك وتوليه السُّلطةَ فترةَ حُكْمٍ ثانية (689-708هـ) (1299-1309م).. إلا أنّ النِزاعات لم تتوقف بسبب السَّلطنةِ الاسمية فقط للسلطان «الناصر محمد» لِصِغَر سِنِّه، والتنازُعِ على السلطة بين الأمراء، وبشكل خاص بين كل من الأميرين: سلار والجاشنكير، ومساندة طائفة من المماليك لكل منهما.. إلى جانب غارات العربان التي تصدَّى لها الأمراء، وغارات المغول على حدود البلاد.
تمادى الأميران سلار والجاشنكير في تضييقهما على السلطان الذي قرر التخلُّصَ منهما، إلا أنهما عَلِمِا بنِيّة السلطان فاحتاطا لنفسيهما وطوّقا مكانَ إقامة السلطان، وأقاما عددًا من المماليك على بابِ الاسطبل السلطاني حتى لا يَفِرُّ السلطان. وما إنْ عَلِمَ المماليك السُّلطانية بالأمرِ حتى هَرَعوا للدفاع عن السلطان وحاصروا القلعة؛ وما إنْ عَلِمَ السلطان بما يُدَبَّر له حتى قدَّمَ عرضًا بالتنازل عن السلطة.. وعن تلك الأحداث ذكر ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة»: «وقد أشيع في القاهرة أن الأمراء يريدون قتْلَ السلطان الملك الناصر أو إخراجَه إلى الكرك، فَعَزَّ عليهم ذلك لمحبتهم له، فلم تُفتَح الأسواق، وخرج العامة والأجناد إلى تحت القلعة، وبقي الأمراء نهارهم مجتمعين، وبعثوا بالاحتراس على السلطان خوفًا من نزوله من باب السِّرِّ، وألبسوا عدة مماليك وأوقفوهم مع الأمير سيف الدين سمك أخي سلار على باب الإسطبل.. واستمر الحال على ذلك.. فبعث السلطان إلى الأمراء يقول: ما سبب هذا الركوب على باب إسطبلي؟ إنْ كان غرضُكم في المُلك فما أنا متطلعٌ إليه، فخُذُوه وابعثوني أيَّ موضعٍ أردتم! فردوا إليه الجواب بأن السبب هو من عند السلطان ومن المماليك الذين يُحرّضونه على الأمراء، فأنكر أن يكون أحدٌ من مماليكه ذكرَ له شيئًا عن الأمراء..». حاول كلٌّ من سلار وبيبرس أن يتصديا للمتظاهرين من الشعب وتفريقهم بكل وسيلة، مما أدّى إلى وقوع اشتباكات عنيفة بين الطرفين، وازدياد ثورة الشعب، فاضطر الأميران للتراجع والخضوع.. وهكذا هدأ الشعب بعد أن عَلِمَ بتسوية الأمر بين السلطان والأمراء.
لم يستمر الهدوءُ كثيرًا، فقد ازداد ضغطُ الأميرين على السلطان الذي قام بالتخلِّي عن الحُكم، فيذكر ابن تغري بردي أن السلطان أظهرَ رغبتَه في إقامة مناسك الحج، وغادر السلطان البلادَ بصحبة عدد من الأمراء والمماليك، وعندما وصل إلى الكرك استقر بها، وعَلِمَ الأمراء أن عزمَه انثنى عن الحج، واختار الإقامة بالكرك وخلعَ نفسه عن السلطنة، وكتب بذلك إلى الأميرين سلار وبيبرس. تلقَّى الأمراء رسالةَ السلطان بغضبٍ عارمٍ، وأرسلوا له ردًّا يطلبون فيه عودتَه أو خَلْعَه عن الحكم وحرمانَه من الإقامة في الكرك.. إلا أن السلطان أصر على موقفه وقراره بخلع نفسِه.
اجتمع الأمراء لدراسة الأوضاع الجَدّيّة، واستقر رأيهم على تولية الأمير سلار السلطنة، لكنه رفض قبولها، وقام بترشيح بيبرس الجاشنكير، وبايعه الجميع، وبذلك تسلطن على البلاد.
أما عن العلاقات الخارجية في فترة حكم السلطان الناصر محمد، فامتدت إلى الفرنج، وأرمينيا، والفرس. فقد استغاث النائب السلطاني في طرابلس بالسلطان عندما تعرَّضَ لمضايقات من فرسان الداوية التابعين للفرنج من جزيرة أرواد، فقام السلطان الناصر محمد بتجهيز حملةٍ عسكريةٍ في عام 702هـ (1302م) وتمكَّن من الاستيلاءِ على الجزيرة، والقضاءِ على ما تبقَّى من معاقل للفرنج.
أما عن علاقة المماليك بمملكة أرمينيا الصغرى، فقد ظلَّت علاقة تشُوبُها العداوة. وقد قام تحالف مغولي أرمني كرجي لمهاجمة بلاد الشام؛ في محاولةٍ للقضاءِ على نفوذ وقوة المماليك، وتمكّنوا من دخول بلدة الصالحية التي قاموا بنهبها وحرقِها مع القتل والسبي، لكنهم لم يتمكنوا من التقدُّم كثيرًا واضطروا إلى الانسحاب.
و.. والحديث عن «مِصر الحُلوة» لا ينتهي!
الأُسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ


