أقباطُ مصر والعالمِ بـ«عِيدِ الرُّسل»، أمس الأول الأحد الموافق 12 يوليو 2025م، في اليوم الذي يوافق تِذكَارَ استشهادِ الرسولين «بطرس» و«بولس» في روما، بعد أن أصدر الإمبراطور «نيرون» حُكمَه على «بطرس الرسول» بالصَّلب مُنَكَّس الرَّأس، وعلى «بولس الرسول» بقَطْع رأسِه، وهكذا اعتبرت الكنيسة يومَ استشهادِهما عِيدًا لرسل «السيد المسيح».
رسل «السيد المسيح»
أما الآباءُ الرُّسل، فقد ذَكَرَ الكِتابُ عنهم أنهم الاثنا عشر تلميذًا «وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ دَعَا تَلاَمِيذَهُ، وَاخْتَارَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِينَ سَمَّاهُمْ أَيْضًا (رُسُلًا)» (لوقا 6: 13)، ورُسله السبعون الذين اختارهم فيما بعد: «وَبَعْدَ ذَلِكَ عَيَّنَ الرَّبُّ سَبْعِينَ آخَرِينَ أَيْضًا، وَأَرْسَلَهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَمَامَ وَجْهِهِ إِلَى كُلِّ مَدِينَةٍ وَمَوْضِعٍ حَيْثُ كَانَ هُوَ مُزْمِعًا أَنْ يَأْتِيَ» (لوقا 10: 1). وبعد صَلْبِ «السيد المسيح»، وموتِه وقيامتِه في اليوم الثالث، ظهرَ لتلاميذه القدّيسين ورُسلِه مدة أربعين يومًا؛ حيث «اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ» (أعمال الرسل 1: 3) وطَلبَ منهم أن ينتظروا في أورشليم حتى يهبَهم قُوةَ الروح القُدُس ويصبحون شُهودًا له: «وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ» (أعمال الرسل 1: 8)، ثم ارتفع عنهم وهم ينظرون إليه حتى اختفى عن أعينهم.
ومن تلك اللحظة، وُلِدَت الكنيسةُ الأُولى، كنيسةُ الرسل، وجالَ الآباءُ الرُّسل حاملين بِشَارة الإنجيل إلى المسكونة، مُبشّرين برسالةِ المحبة التي جاء «السيد المسيح» يبشر بها بين الشعب مترائفًا بضعفهم، شافيًا أمراضهم، ومُقدِّمًا لهم احتياجاتهم.. وهكذا، حملَ الآباءُ الرُّسل تلك المحبةَ نفسَها التي تصلّي لأجل المسيئين، وتحب الأعداءَ، وتبارك كلَّ أحد، فيُعلِّمُنا «يوحنا التلميذ والرسول» أن المحبةَ هي النور، أما البُغض فهو الظلمة: «مَنْ قَالَ: إِنَّهُ فِي النُّورِ وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ، فَهُوَ إِلَى الآنَ فِي الظُّلْمَةِ. مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ وَلَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ. وَأَمَّا مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ فِي الظُّلْمَةِ، وَفِي الظُّلْمَةِ يَسْلُكُ، وَلَا يَعْلَمُ أَيْنَ يَمْضِي، لأَنَّ الظُّلْمَةَ أَعْمَتْ عَيْنَيْهِ» (رسالة يوحنا الأولى 2: 9- 11)
وقد اتَّسم الآباءُ الرُّسل بالشجاعةِ التي تحدَّت الموتَ واستهانت بالحياةِ من أجل إيمانِهم؛ فقد واجهَ الآباءُ الرُّسلُ الاضطهاداتِ والعذابات، ولكنهم لم يتوقفوا عن تقديم شهاداتهم عن إيمانهم. فعندما صعدَ بطرس ويوحنا إلى الهيكل وشَفيا الأعرجَ الذي كان يجلسُ عند بابِ الهيكل يسأل صَدَقةً، وحدَّثا الشعب عن «السيد المسيح»، لم يحتمل رؤساء اليهود تعليمهما، فألقوا القبض عليهما ووضعوهما في الحبس، وهددوهما مطالبين إياهما بالصمت، ولكنهما لم يتوقفا عن الشهادة. وفي مرة أخرى: «وَدَعُوا الرُّسُلَ وَجَلَدُوهُمْ، وَأَوْصَوْهُمْ أَنْ لَا يَتَكَلَّمُوا بِاسْمِ يَسُوعَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمْ. وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ. وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ.» (أعمال الرسل 5: 40- 42). وقد نال الآباء الرسل أكاليل الاستشهاد، ماعدا «الرسول يوحنا الحبيب»، الذي نُفِيَ إلى جزيرة بطمس؛ حيث رأى رؤياه التي سجلها في سِفر الرؤيا.
أما «بولس الرسول»، فهو يُدعى ثالث عشر الرسل، حيث كان مُضطهِدًا الكنيسة، يَسوقُ المؤمنين إلى المحاكمِ والسجونِ وساحاتِ الاستشهادِ، حتى التقاه «السيد المسيح»، في ظُهورٍ عجيبٍ عندما كان متجهًا إلى دمشق لمزيدٍ من الاضطهادات، وهناك تحوَّل إلى «بولس الرسول» الكارز الذي احتملَ آلامًا واضطهاداتٍ عظيمةً قال عنها: ” فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً. مِنَ الْيَهُودِ خَمْسَ مَرَّاتٍ قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ، مَرَّةً رُجِمْتُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلًا وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ. بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُولٍ، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ» (2 كورنثوس 11: 23- 26)، إلى جانب اهتمامه بترتيب أمور الكنائس التي بشّرها.
هكذا، حمل الآباءُ الرُّسل شهاداتِهم حتى سفكوا دماءهم الطاهرةَ من أجلِ حفظِ الإيمانِ الذي تسلَّموه من «السيد المسيح»؛ حتى استحقّوا أن تُكتَب أسماؤهم في أورشليم السمائية: «وَسُورُ الْمَدِينَةِ كَانَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ أَسَاسًا، وَعَلَيْهَا أَسْمَاءُ رُسُلِ الْخَرُوفِ الاثْنَيْ عَشَرَ» (رؤيا 21: 14).
كل عام وجميعكم بخير.
و.. والحديث عن «مِصر الحُلوة» لا ينتهي!
الأُسقف العام رئيس المركز الثقافيّ القبطيّ الأرثوذكسيّ


