مصر الحلوة 330 «السابق» – 22/1/2020

مصر الحلوة 330 «السابق» – 22/1/2020

احتفل مَسيحيُّو الشرق قبل عدة أيام بعيد «الغطاس»، أحد الأعياد السيِّدية الكبرى التى يحتفل بها أقباط «مِصر»، الذى يوافق الحادى عشَر من شهر «طوبة» فى التقويم القبطىّ. ولـ«عيد الغطاس» عدة أسماء: منها «عيد الأَبِيفانْيا»، و«عيد الثِيئوفانْيا»، و«عيد الظهور الإلٰهىّ»، و«عيد الغِطاس»، و«عيد تكريس المياه»، و«عيد التنوير»، و«عيد العِماد»؛ ومن أبرز شخصيات هٰذا العيد: «يوحنا المَعمَدان».

«يوحنا المَعْمَدان».

لُقب بعدد من الألقاب: منها «السابق» أى الذى يسبق مجىء السيد المسيح ليُعِد له الطريق، «والصابغ» أى الذى يَصبِغ بالمعمودية. وهو النبىّ الذى دعا الشعب إلى التوبة عن خطاياهم، ومن عمَّد السيد المسيح.

 

عظمة «يوحنا»

شهِد السيد المسيح لها؛ فتحدث إلى الجموع بأنه «أفضل من نبىّ!»؛ وهو الملاك الذى كُتب عنه فى «العهد القديم» أنه سيأتى ليُعِد الطريق أمام السيد المسيح: «هٰأنٰذا أُرسل ملاكى فيهيئ الطريق أمامىّ»، كذٰلك ذكر السيد المسيح أنه أعظم المواليد: «الحق أقول لكم: لم يقُم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان». ومن قَبل أن يولَد أعلنت السماء عظمته؛ إذ قال الملاك فى بشارته به لأبيه زكريا الكاهن: «وكثيرون سيفرحون بولادته، لأنه يكون عظيمًا أمام الرب». وكان «يوحنا المَعْمَدان» محبوبًا من جميع أفراد الشعب، فإذا تحدث أصغَوا إليه بسُرور عظيم، وكان نبيًّا عظيمًا فى أنظارهم ومُهابًا جدًّا، حتى إن رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب خافوا أن يصرحوا برأيهم أنه ليس نبيًّا حين سألهم السيد المسيح عن معمودية «يوحنا» أمِن السماء كانت أم من الناس، فتشاوروا فيما بينهم: «إن قلنا: من السماء، يقول لنا: فلماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا: من الناس، نخاف من الشعب، لأن يوحنا عند الجميع مثل نبىّ». ولم تتوقف عظمة هٰذا النبىّ ومهابته عند الشعب فقط، بل امتدت إلى الحكام: كـ«هِيرُودُس» رئيس مِنطَقة «الجليل» الذى كان يُجِلّ «يوحنا» ويهابه، مدركًا أنه رجل بارّ قديس، محبًّا أن يستمع إلى كلماته وتعاليمه بفرح.

و«يوحنا» اسم عبرىّ يعنى «الرب حنّان». وهو ابن «زكريا الكاهن» و«أليصابات» البارّين. وقد كانت «أليصابات» أمه عاقرًا، إلا أن ملاك الرب ظهر لأبيه «زكريا» وبشره بميلاد «يوحنا»، وأنه سيكون نبيًّا عظيمًا يدعو الشعب إلى التوبة ويردهم إلى الله. وتعجب «زكريا» من تلك البشارة لأنه بات هو وزوجته شيخين متقدمين فى أيامهما؛ فاعتراه الشك! ولذا أخبره الملاك أنه يظل صامتًا لا يستطيع التكلم حتى ولادة الطفل. وقد تمت كلمات الملاك، وحبِلت «أليصابات»، ووُلد «يوحنا» قبل ولادة «السيد المسيح» بستة أشهر. وقد عاش «يوحنا» حياته فى البرارى ناسكًا حتى يوم خدمته التى بدأت فى الثلاثين.

ومع أن خدمة «يوحنا المعمدان» كانت قصيرة ـ ستة أشهر فقط ـ فإنها كانت ذات تأثير قوىّ فى الشعب. وكانت رسالته الأولى: التوبة، داعيا: «توبوا، لأنه قد اقترب ملكوت السمٰوات». واستجابت له جموع الشعب إذ خرجت إلى «نهر الأردنّ»، واعتمدت فيه على يديه، مُقرةً بخطاياها. وتضمنت رسالته الحث على الخير والرحمة، معلّمًا الناس أن يقدموا الطعام واللِّباس لمن فى عوز، وطالب الجند بأن يسلكوا بالعدل.

وقد عُرف «يوحنا المعمدان» بمناداته بالحق فصار صوتًا له أمام «هِيرُودُس الملك» الذى رغب فى الزواج من «هِيرُودِيا» امرأة أخيه؛ فعارضه «يوحنا»: «لا يحِلّ أن تكون لك امرأة أخيك»، وظل ثابتًا طوال حياته على الحق حتى سجنه «هِيرُودُس». ثم تحينت «هِيرُودِيا» الفرصة يوم ميلاد «هِيرُودُس» للتخلص من «يوحنا» صوت الحق المزعج لها: إذ دخلت ابنتها ورقصت أمام «هِيرُودُس»؛ فسُرّ بها والمتكئون معه، فأقسم للصبية بأنه سيهب لها ما تشاء؛ فطلبت رأس «يوحنا المعمدان» على طبق!!، اغتم «هيرودُس»، لٰكن لأجل قسَمه الملكىّ أرسل سيافًا، آمرًا بإحضار رأسه؛ فمضى وقطع رأسه فى السجن وأتى بها على طبق للصبية.

وكان «يوحنا المَعمَدان» متواضعًا فلم يغُرّه التفاف الشعب حوله، بل كان دائم توجيه أنظار الشعب وتلاميذه إلى التركيز فى شخص «السيد المسيح». وفى عماد «يوحنا» للسيد المسيح، شعر «يوحنا» بعدم أهليته واستحقاقه أن يؤدى تلك المهمة؛ فقال: «أنا محتاج أن أعْتَمِد منك، وأنت تأتى إلىّ!»؛ فاستحق أن يسمع إجابة السيد المسيح: «اسمح الآن، لأنه هٰكذا يليق بنا أن نُكمِّل كل بِرّ »!!.

ما أعظم النفس التى يكتنفها التواضع فترفعها السماء! حقًّا جاءت كلمات «بطرس التلميذ»: «وتسربلوا بالتواضع، لأن «الله يقاوم المستكبرين، وأمّا المتواضعون فيُعطيهم نعمة».»؛ فحيثما وُجد التواضع تكُن كل قوة، وبركة، ونعمة، وتعضيد من السماء؛ ولذا يقول أحد الآباء القديسين: [حقًّا، يا إخوة: طوبى لمن كان له اتضاع حقيقىّ!]، كما يقول السيد المسيح: «… لأن كل من يَرفعُ نفسه يتضعُ، ومن يضعُ نفسه يرتفعُ».».

كل عام وجميعكم بخير، نتشارك فى أفراح وأعياد تمر بـ«مِصر» وبالمِصريِّين، و… وفى «مصر الحلوة» الحديث لا ينتهى…!.

الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى